قاعدة: الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل بالمشروعية.
وعند النظر في تطبيق هذه القاعدة هنا نجدها لا تقوى على دفع ما سبق ذكره من أدلة الرأي الأول، إذ أن هذه القاعدة لا تصمد أمام ما ذكر، بل لا تصمد أمام أقل من هذا، فنجد الفقهاء يجيزون أشياء في العبادات لا نص فيها ولا أثر عن صحابي أو تابعي، وإنما بناء على (فهم) من نص أو قياس تختلف فيه المدارك والأفهام.
على سبيل المثال:
1 - لو جاء رجل إلى المسجد فوجد الصفوف قد رُصَّت ولم يجد مكانا في صف، فجذب أحد المصلين من آخرِ صف ليقف معه حتى لا تبطل صلاته عند من يقول ببطلانها إذا انفرد خلف الصف .. فهل هذه الجذب مشروع؟ ما دليله من سنة أو فعل صاحب؟ (بالمناسبة الوارد في الجذب حديث موضوع)
2 - ومسألة الائتمام بالمسبوق. فهذه الصورة ليس فيها نص ولا فعل صاحب ولا تابعي.
بل قال بعض الفقهاء الذين ذكرتهم رحمهم الله إذا دخل ثلاثة المسجد وكان الإمام في الركعة الثالثة من صلاة رباعية فاتفقوا على أنه بعد أن ينصرف الإمام من صلاته أن يتخذوا واحدا من بينهم يأمهم فيما بقي من صلاتهم فهذا جائز! فهل وقفتم على شيء ورد في هذه الهيئة من الائتمام عن السلف؟
3 - ومنها ائتمام من يصلي فريضة بمن يصلي جنازة، وقال بها ابن تيمية رحمه الله.
4 - استحباب الإمام أحمد ابتداء صلاة التراويح في أول ليلة من رمضان يقراءة سورة (العلق)، ووافقه على ذلك ابن تيمية رحمهما الله.
5 - وانظر لإجازة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله الرمي بحصاة سبق الرمي بها في جمرة العقبة. ولا نص في هذه المسألة ولا أثر عن صحابي أو تابعي.
هذا وإن فتشت وجدت كثيرا مثل هذا.
كل ما ذكرتُه استنبطه العلماء فهما وفقها من أدلة أخرى وعموميات ليس فيها دلالة ظاهرة، وقد يكون الملحظ فيها دقيق خفي لا يدركه كل أحد، فاستدلوا بهذا الفهم وهذه التأويلات على جواز الفعل ولم يروه مخالفا لهذه القاعدة لأن ما فهموه استنباط في الفروع جار على قواعده. فلا يوصف ببدعة، وإن كان محل بحث ونظر وأخذ ورد، وقد لا يسلم لهم.
فكيف بما ذُكر من آثار ظواهرها واضحة الدلالة لا تخرج عن هذا الظاهر إلا بتأويل يلوي عنقها! وكيف بعمل المسلمين الذي يؤيد هذا الفهم الذي قاله أصحاب الرأي الأول!
ثم إن رُمت إلا أن تُبَدِّع هذا الفعل وأن تنكر على فاعله فهذا أمر لا نستطيع أن نمنعك منه، لكن لا تجزع إذا لم تعط طاعة، ولا تظن أن الناس مع هذا في حيدة عن شرع الله واتباع غير سبيل المؤمنين، إذ أقصى ما يكون في هذه المسألة كمثل غيرها من المسائل التي اعتبرها بعض الفقهاء بدعة وهي في نظر غيرهم سنة مستحبة .. كالمداومة على قنوت الفجر.
ما نحن فيه ليس نقاشا عن حكم تلحين وتطريب التكبير (كما ظن أخي أبو الليث)، لأن هذا مدخله في التكبير المفرد والجماعي، وإنما النقاش في مشروعية الاجتماع بصوت واحد على التكبير من عدمه في العيدين خاصة.
والله أعلم
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[18 - Sep-2010, صباحاً 08:15]ـ
يا أحبتي الكرام وفقنا الله تعالى وإياكم .. لابد من نقطة نظام وتحرير محل النزاع.
ليس تشنيعنا وتشنيع أهل العلم الأجلاء على التكبير الجماعي بصوت واحد متعدد المخارج .. فهذا هو المعروف الحاصل والواقع من عهد النبوة إلى الآن .. لم ينكر هذا أحد، أو يرده أحد؛ ومن فعل ورده وأنكره فقد جانب الصواب.
النصوص عندنا صريحة في حكي حالة التكبير بأنها جماعات وأفرادا .. وهذا أكبر دليل على ما نقول .. ولم يأت وصفٌ واحد في هذه النصوص أن هذا التكبير الجماعي كان باتفاق الألسن على مخارج ألفاظ التكبير بحيث أن جميعهم متواطئون في هذا عاقدين له تحت نغمة واحدة ورتم واحد السامع لهم يظنهم شخصاً واحدا من اتفاقهم .. وهذا هو ما طالبنا بإحضاره من قبل المجيزين ولن يقدروا.
فليس كونهم مجتمعين ويكبرون بصوت واحد = أن هذا الأمر بحد ذاته يعد بدعة لا يجوز .. أبداً أبداً.
خرجت أنا وولدي إلى صلاة العيد ونحن في الطريق وجدنا محمد يكبر وحده أثناء الطريق، ووجدنا إبراهيم بعد مسافة أخرى يكبر وحده أيضا، ولما أتينا المصلى وجدنا الجماعة الذين سبقونا يكبرون؛ وتكبيرهم متعددٌ لكنه خارج منهم بصوت واحد مسموع؛ فحسين قد بدأ بـ: الله أكبر الله أكبر .. بينما فهد وجدناه عند: لا إله إلا الله .. وفريد عند: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا .. وهكذا.
فهم يكبرون مجتمعين وصوتهم واحد في خروج لفظ تكبير كلٍ منهم .. ومع ذلك لا يمكن أن يقول شخص أنهم متفقون في مخارج ألفاظ التكبير جمعيهم .. وهذا الذي نحاول أن نبينه للإخوة وفقهم الله.
بينما لو أتيت أنا وولدي للمصلى ووجدنا الجماعة كلهم بصوت واحد وإيقاع واحد ومخرج لفظ واحد لا يتخلف عنهم مكبر = كلهم يفعل ذلك؛ لقال لي ولدي العربي الصغير: يا أبي هذه الصفة غير تلك الصفة السابقة.
وهذا ما نحاول توضيحه مرة أخرى للكرام.
فالمرجو من الأحبة التفريق في المسألة؛ وان لا يخلط الحابل بالنابل فيها .. فكلام العلماء وتبديعهم وكراهتهم لصورة ليس مسحوباً ومنزلاً على صورة أخرى هي المعروفة الحاصلة المعهودة.
فكون المصلين مجتمعين يكبرون؛ فإن جزئية التكبير الخارجة من منطق كل واحد منهم تعطي صوتا جماعيا واحداً مختلف المخارج .. بخلاف الآخر المنهي عنه الغير معروف والذي لم يقم عليه دليل.
وأعيد ما قلته: أريد دليلاً واحداً يؤيد تلك الصفة الأخرى المنهي عنها والتي لم ترد في الشرع .. فقط هذا ما أريد.
فبالله لا يتكلم في الأمر إلا من أحسنه .. حتى لا يطيش.
¥