قال الحافظ: وقوله (ترتج) ـ بتثقيل الجيم ـ أي: تضطرب وتتحرك، وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات. اهـ (الفتح 2/ 462).
قال أبو الحسن: ولا شك أن الأصوات الجماعية أقوى في ارتجاج منى من الأصوات الفردية. اهـ
قلت: صحيح أن الأصوات الجماعية أقوى، ولكن: من أين أخذت في الأثر شرعية التكبير الجماعي؟!
وهذه المعلومة التي اتحفتنا بها لا تجعل هذا الأثر دليلا لك على شرعية هذا التكبير فتدبر يا أبا الحسن ـ رعاك الله ـ واحذر من الاستدلالات المتهافتة!
ثم مالذي يمنع أن ترتج منى من الأصوات المختلطة بالتكبير والتهليل والحمد، وهو ظاهر الأثر والموافق ـ أيضا ـ لهدي السلف وعدم تكلفهم في هذه الأمور.
الدليل الثالث: ماقاله الشافعي في (الأم) (1/ 384 - 385): فإذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى في المسجد والأسواق والطرق والمنازل ومسافرين ومقيمين في كل حال وأين كانوا، وأن يظهرواالتكبير … اهـ.
أقول: لم يذكر أبو الحسن وجه الاستدلال من كلام الشافعي،وأظنه يستدل بقوله (جماعة وفرادى).
وهذا يقال فيه ماقيل في سابقه: استدلال متهافت وتحميل للكلام ما لا يحتمل. ومعلوم أن الناس يذكرون الله عقب الصلوات جماعة، وأنت إذا دخلت مسجدا من مساجد الديار النجدية ـ حرسها الله ـ عقب الصلاة المفروضة ـ تسمع ضجيج الناس بالذكر، فهذا هو التكبير الجماعي الذي يشيرإليه الشافعي يا أبا الحسن.
وليس التكبير الصوفي الذي يشبه فرق الأناشيد ولا أحب أن أقول فرق الغناء والمعازف على أن هذا معصية والأولى بدعة، ولو لم يكن في (التكبير الجماعي) الذي أجازه أبو الحسن إلا التشبه بالمبتدعة من أهل الأناشيد والابتهالات، والفسقة من أهل الغناء والمعازف لكان هذا كافيا في منعه وإنكاره على فاعله، وأبو الحسن يعلم أن الزيدية الشيعة في اليمن يذكرون الله ذكرا جماعيا عقب الصلاة، فلو سمعوا بكلام أبي الحسن هذا لشغبوا به على أهل السنة والله المستعان.
الدليل الرابع: وقد جمع فيه أبو الحسن ألوانا من التعسفات وغرائب الاستدلالات، وسوف أسردها فقرة فقرة مع الرد عليها باختصار.
قال أبو الحسن: (عدم ثبوت دليل المنع).
أقول: وهل تريد يا أبا الحسن أن يقول لك الشارع الحكيم (التكبير الجماعي بدعة)؟،
أما يكفيك القاعدة العامة في الشرع (كل بدعة ضلالة) و (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)؟
وأنا اشتهي أن تثبت لي دليلا خاصا يمنع من (الاحتفال بالمولد النبوي)؟
والواقع أن على قاعدتك هذه: لادليل على المنع. فلتهنأ أعين الصوفية.
قال أبو الحسن: (والأدلة أظهر في المنع من رفع الصوت منها في المنع من الذكر الجماعي فلما جازالأعلى جاز الأدنى من باب أولى)
أقول: الأدلة الدالة على المنع من رفع الصوت يستثنى منها رفع الصوت بالتكبير والتلبية في الحج والعيد لأنه من الشعائر،على قاعدة (الخاص والعام) في أصول الفقه بمعنى أنه إذا جاء نهي عام ثم جاء أمر أو إباحة في بعض المواضع فحينئذ نستثني هذه المواضع من النهي العام. وهذا مسلك صحيح في التعامل مع النصوص الشرعية حتى لاتتضارب ولا تتناقض.
أما التكبيرالجماعي فليس فيه نص واحد فضلا عن أدلة خاصة وعامة فكيف يقاس على مسألة رفع الصوت؟! هذا لعمري في القياس بديع!
قال أبو الحسن: (أضف إلى ذلك أيضا: أنني لم أقف على نص واحد عن السلف بالمنع من ذلك).
وأقول: وهل علمت أنه فُعِل في عصرهم فأقروه؟! إن التكبير الجماعي عمل محدث لذلك لم يتكلم فيه السلف فكيف تستدل بما هو دليل عليك؟!.
قال أبو الحسن: (وقد صرح الشافعي بالجواز كما سبق)
أقول: كلا ـ والله ـ بل قال رحمه الله - وهذا لفظه -: (أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى)
فأين التصريح يا أبا الحسن؟ وأنت قد تعلمت في أصول الفقه أن اللفظ الصريح هو الذي لايحتمل غيره. ومن هنا قسم العلماء ألفاظ الطلاق إلى: ألفاظ صريحة وألفاظ غير صريحة وقالوا: الألفاظ الصرحية هي التي لاتحتمل معنى سوى الطلاق.
فرويدك يا أبا الحسن: ولا يحملك حب الانتصار لرأيك أن تحمل كلام العالم مالا يحتمل، وأما قول الشافعي رحمه الله (جماعة) فقد سبق بيانه.
قال أبو الحسن: (ولما كان رفع الصوت بالتكبير في أيام العيد من الشعائر فالتكبير الجماعي أقوى وأرفع صوتا بلا شك، فكان هو المناسب لهذه الشعيرة)
أقول: ياسبحان الله! التكبير الجماعي المضاهي لأناشيد أهل البدع هوالمناسب؟!
فلماذا لم يأمرنا الله به ولماذا لم يأمرنا به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
ولماذا لم يفعله العلماء جيلا بعد جيل؟ بل لماذا أنكروه وبدعوه؟!
ياليتك يا أبا الحسن سكت! أو استخرت الله فيما كتبت أو راجعت العلماء فيما رجحت ونشرت.
قال أبو الحسن: (وإن تعجب فعجب صنيع بعض الغيورين على السنة عندما ينكرون أشد الإنكار على من يكبر مع الناس)
أقول: الحمد لله الذي قضى لهم على لسانك فهو كما وصفتهم (غيورين على السنة) فهلا تركتهم وغيرتهم واشتغلت عنهم بما هو أنفع في إحياء السنن وإماتة البدع، فمثلك يا أبا الحسن في رأيك هذا كمثل من أراد تصحيح الحديث الموضوع بكثرة طرقه وهي شديدة الضعف والنكارة.
وأظن أنك تستعظم هذا .. لكن ليعلم الجميع أن الآراء الباطلة كالأحاديث الباطلة يجب حربها والقضاء عليها وتحذير الأمة منها ومن آثارها.
وعلى طالب العلم ـ في جميع أحواله ـ أن يتحلى بالأناة والتؤدة، وليتأمل طويلا في آرائه واختياراته قبل إذاعتها وبثها في الناس، حتى لا يكون وبال ذلك عليه.
اللهم اهدنا وأخانا أبا الحسن لما تحبه وترضاه.
وكتب: أبو مالك الرفاعي الجهني
محافظة ينبع / المملكة العربية ا لسعودية.
الاثنين 13/ 12/1422هـ.
¥