أولهما: ورودُ جملة من الأحاديث التي تردُّ هذا الجمع، وأهمُّها حديث: "إنما الرَّضَاعة من المجاعَة" فإنه كالصريح في عدم تأثير رَضَاع الكبير، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قاله عقب ذكر عائشة أنَّ ذاك الرجل الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها هو أخوها من الرَّضَاع، فحينها أمر بالتحري في هذا الباب، وأخبر أنَّ الرضاعةَ المؤثِّرةَ في التحريم لا تكون إلا من المجاعة.
وأما باقي الأحاديث فقد سبق الكلام عليها من الناحية الحديثية، ويبدو لي أنها لا تصلح حجة على أصحاب هذا القول؛ مع صراحة بعضها من حيث الدلالة.
ثانيهما: أنَّ عامة الصحابة رضي الله عنهم على خلاف مقتضى هذا الجمع، فقد ثبتَ عن كثيرٍ من أكابرهم وفقهائهم أنَّ الرَّضَاع فيما زاد عن الحولَين غيرُ مؤثِّر، وما رُوي عنهم لا ينبغي إغفالُه، ومحالٌ أن يخفَى الحقُّ على هؤلاء جميعاً، خاصةً مع علمنا باطِّلاع بعضهم على حادثة سالمٍ مولَى أبي حذيفة.
وقد سبق -في الباب الأول من الرسالة- الكلامُ على حكم العدول عن مسلك الجمع إلى مسلك الترجيح، وأنه لا يلزم لذلك تعذُّر الجمع تماماً، بل يكفي للعدول عن مسلك الجمع كونُ مسلك الترجيح أقوى دليلاً، ولو كان مسلك الجمع ممكِناً.
ثانياً: مسلك النسخ بعيد؛ لأنَّ القرائنَ المستَدَلَّ بها على تقدُّم حديث سالمٍ مولَى أبي حذيفة وتأخُّر الأحاديث المخالفة ليست قوية، بل الصواب تأخُّر حديث سَهْلَةَ بنت سهيل عما وردَ من بيان حكم رَضَاع الكبير، فإنها –رضي الله عنها- قد استدركت قائلةً: (وكيف أُرْضِعُه وهو رجلٌ كبير)! وفي هذا استشكالٌ منها لرَضَاع الكبير، فكأنَّ المنعَ من رَضَاع الكبير وعدمَ إفادته التحريم أمرٌ معلوم.
وأما الاستدلالُ برواية بعض صغار الصحابة ومَنْ تأخَّر إسلامُهم فغيرُ كافٍ؛ لعدم تصريحهم بالسماع، فيحتملُ سماعهم لها من كبار الصحابة، وممن تقدَّمَ إسلامه.
ثم إنَّ نساءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يذكرنَ النسخ؛ وإنما ذكرنَ التخصيصَ.
ثالثاً: يمكن مناقشةُ مسلك الترجيح باعتبار المتن بأن يُقال:
الأصلُ تعميمُ الحكم على جميع مَنْ كانت حالُه كحال سالمٍ وأما تخصيصُ الحكم بشخصٍ دون غيره ممن يشاركه في الأوصاف فمخالفٌ للأصل، ومثله يحتاجُ إلى دليلٍ، فالشريعة لا تفرق بين متماثلين، وقد اعترفَ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة الحجة التي احتجت بها عائشة رضي الله عنها وأثبتْنَها؛ ولا عبرةَ بتركهنَّ لها.
ثم لو كان الأمرُ مختصاً بسالمٍ لبيَّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك كما بيَّنَ اختصاصَ أبي بردة بن نِيار بالتضحية بالجذَع من المعز.
ثم إنَّ دعوى الخصوصية من الحكم بالظن، والظنُّ لا يغني من الحقِّ شيئاً.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ?وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ? (البقرة-233) فمحلُّ نظر! إذ الآيةُ إنما هي في الكلام عن الرَّضَاعة التي توجِبُ النَّفَقةَ على المرضِعة، والتي يُجبَرُ عليها الأب، ولم يُذكَر في الآية عدمُ تأثير الرَّضَاع فيما زاد عن الحولين.
ويؤكد هذا أنَّ الله تعالى قال في آيةٍ أخرى: ?وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ? (النساء-23) ولم يقيِّد الرَّضَاع بوقتٍ محدَّد؛ وعمومُ هذه الآية لا يجوز تخصيصُه إلا بنصٍّ واضح، لا بالظنون والاحتمالات.
ومع ذلك فالذي يبدو لي أنَّ هذا المسلكَ هو الأقوى –أعني: مسلك الترجيح بالخصوصية- لما أوردوا من أدلة، وأما ما أُورِدَ عليه من إشكالات فيمكنُ الجوابُ عنها بما يلي:
فأما قولُ المعترِض بـ (أنَّ الأصلَ تعميمُ الحكم وعدم الخصوصية ... ) إلى آخر الاعتراض السابق ذِكرُه؛ وكون القول بالخصوصية ترجيحاً بالظنِّ= فيُجابُ عنه بأنَّ القرائنَ الدالة على الخصوصية قويةٌ، ولا يلزم لثبوت الخصوصيةِ التصريحُ بها من لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو الوصول إلى درجة اليقين؛ فإنَّ لهذا المثال –الذي نحن بصدد الحديث عنه- من القرائن القوية التي تؤيد القولَ بالخصوصية ما يقاربُ اللفظَ الصريح، وقد سبق ذكرها عند الكلام على أدلة مسلك الترجيح، وأشير هنا إلى أهمها:
¥