إن عُلم أن هناك لباس يختص به أهل الكفر دون تغيرهم، كان التخصيص، وإلا فلا.

:

ابن تيمية – رحمه الله تعالى - من أكثر من تحدث عن ضرورة مخالفتهم في كل أمورهم (المدنية) لكونهم كفارا. ولم يخصص النهي بأمورهم الدينية , وفصّل طويلا في ذكر علل النهي بما يوضّح بجلاء شمول حديثه كل أنواع التشبه بهم في أمور الدين والدنيا.

وعليه فأرى كلامه الذي نقلتَ شاهدا لي.

فهو يقول: " إذا لبسوا ثوب الغيار من أصفر وأزرق نُهِي عنه لما فيه من التشبه بهم .... " و (إذا) ظرف للزمان المستقبل , فهو يعني أنه لو أن للمسلمين لباسا أقرهم الإسلام عليه وللكفار لباس مثله (كالجبة مثلا) فصنع الكفار لجببهم ألوانا لم تكن في جبب المسلمين نهي عن لبس جبة تلوّن بمثلهم , رغم أن لبس الجبة أصلا من المباحات.

وكل كلامه الباقي شرح لقصده بهذه العبارة واحتراز عن الفهم الخطأ, إذ قال:

" وإن كان لو خلا عن ذلك لم يكره " يقصد: إذا كان الثوب ذاته مما عرف عندهم كما عند المسلمين أصلا , فلا حرج من لبسه بشرط خلوّه من هذه التلوينات.

ويقول: " وفي بلاد لا يلبس هذه الملابس عندهم إلا الكفار فنهي عن لبسها , والذين اعتادوا ذلك من المسلمين لا مفسدة عندهم في لبسها " وهذا احتراز منه , فهو يقول هنا: إن عدم الكراهة لكون اللباس معروفا عند المسلمين قبل تلوين الكفار له , أما لو كان بلدا مسلما لا يلبس هذا اللبس فيه إلا الكفار فمنهي عنه من أصله مهما كان لونه. اما الذين اعتادوها من المسلمين فلا حرج من لبسه إذا تجنبوا ما أحدث الكفار من تلوينات.

.

شيخ الإسلام –رحمه الله- صنف كتابا عظيم النفع في الباب وهو اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وهو حول المخالفة، وذكر جل مسائل الباب.

ولكن كلمة (مخالفتهم المدنية) هذه لم أجدها في كلام شيخ الإسلام قط في مؤلفاته المعروفة، لا في الاقتضاء ولا غيره.

وإن كنت لأظن أن استخدامها الشائع كان فقط في السنوات الأخيرة على يد بعض من تسمى بـ (المفكر) الإسلامي.

ولكن كما قيل: أثبت العرش ثم انقش.

وهذه هي النقطة الفاصلة في تحرير المسألة، هل كلمة (كفار) تعني (أعاجم) أم أن العجم منهم المسلمون والكفار؟ وهل كلمة (أعاجم) تعني (كفار)؟

وهل إذا صنع الأعاجم لباسا ما، ليس على صفة لباس العرب، هل هو حرام؟ أم حلال للمسلم الأعجمي حرام على المسلم العربي؟

وكلام شيخ الإسلام الذي أوردته، على أي شىء يستند .. للعرف؟ أم للنص؟

وهل الإسلام أقر لباس العرب ونهى عن لباس الأعاجم؟ أم نهى عن لباس الكفار؟ ولم يدعو للتفرقة بين عرب ولا عجم في هذا الموطن .. بل نهى عن لباس الكفار .. سواء كانوا كفار السعودية أم كفار مصر أم كفار إنجلترا أم كفار أمريكا أم كفار الهند .. لا فرق.

فالنهي شامل لجميع الكفار .. من أي أرض كانوا.

فإذا عرف أن الكفار يلبسون ألبسة ذات صفات معينة .. هنا يأتي النهى (المبني على العرف) كما قال بنحوه الإمام أحمد وشيخ الإسلام وغيرهما.

وإن لم يكن خاص بالكفار؟

إذن الاسم (اللباس) لم يلحق بالوصف (الكفار)، فعلى ما النهى؟

وأرى كلام الشيخ شاهدا لي أيضا

فهذا هو الشيخ قد قال: " فلبس البرنيطة .... إذا كان هذا من عادة النصارى والكفار فإنه حرام "

قال: " النصارى والكفار " فيدخل اليبهود المشركون والهندوس والوثنيون وحتى الملاحدة , وهذا دليل صريح على أن الشيخ لا يربط النهي بكون اللباس لباسا دينيا , فقد ذكر النصارى لكثرتهم عن غيرهم , ثم عمّ جميع الكفار والذين منهم من لا دين له أصلا

ومن جهة أخرى فقد قال (فإنه حرام) وهو ما يعني أن الشيخ يجعل النهي نهي تحريم.

وبالمناسبة , فقد أسلفت أن الأئمة أخذوا النهي مأخذ التحريم , ولم أعلم أن أحدا منهم قد خصه بلباسهم الديني.

==========

1: لعلّ القصد ظاهر , فمن فروع الشعائر تأخير السحور وتعجيل الفطر , ومن فروع الحاجات نوع اللباس , ومن المظهر اللحية والشارب.

اللباس الديني ظاهر، يعرفه العامي فضلاً عن طالب علم فضلاً عن فقيه.

ولا أظن أن هذا خلاف بيني وبينك.

ولكن الخلاف فيما قد يكون موجودا بين الناس ولا يميزهم أصلا، هل أنهى عنه أم أسكت؟

في كتاب شيخ الإسلام: (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم):

إذ الكلام في ما كان من خصائصهم.

هذا ما حاولت مرارًا وتكرارًا أن أوضحه. خصائص من؟ الكفار.

فمحور كلامي كله حول هذه النقطة.

وأخيرًا .. أشكرك على هذه المُدارسة الطيبة.

وأختم بكلام أخير لي في هذا الموضوع، ألا وهو:

جميع ما تقدم تمهيدات ليتسنى وضع ضوابط يُعرف بها لباس الكفار من غيره، ومتى يأخذ اللباس خصيصة الكفر، ومتى يبقى على أصله.

وآمل أن تكون المشاركات القادمة من الإخوة الفضلاء في وضع الضوابط، واستنادها، ثم مناقشتها.

علمًا بأن هذه الضوابط قد يكون بعضها متفق عليه وبعضها الآخر مختلف فيه.

والموفق من وفقه الله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015