ألا يكفي ورود الأمر بالمخالفة دليلا؟ (تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب , تخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب)
وورود النهي عن لبس لباسهم (لا تلبسها فإنها من لباس الكفار)
وإلحاق من شبه بهم فيهم (من تشبه بقوم فهو منهم) وإخراج اللباس من هذا التشبه يحتاج دليلا مخرجا , وكيف يأتي وقد أتى ما يؤكد دخول اللباس؟.
/// هنا، نحتاج إلى إمعان النظر في عدة أشياء:
1 - ورود النهي، لم يأتي معه تحريم حلال، ولا تحليل حرام.
2 - وجود مشابهة جزئية بين المسلمين وأهل الكتاب في التسرول، والتخفف.
3 - إثبات المخالفة .. والحث عليها وتوكيد ذلك.
- على ما سبق، يمكن أن نقول:
ليس ورود الأمر بالمخالفة دليلا على تحريم الحلال، والأصل المقرر هو الحلية، فهذا هو العام، فالمانع هو المُطالب بالدليل، لا العكس.
/// فالتحريم والإباحة ارتباطهما بالعلاقة الدينية وليست الدنيوية. وليس كل ما يصنعه الكافر له علاقة دينية تخص الملل والنحل.
والنهي مرتبط بهذه العلاقة الأخيرة لا غيرها.
- لذا فالحد الفاصل في المسألة أن النهي خاص بما يمس دينهم لا دنياهم.
إن قصدتَ المصنوعة عندهم على هيئة لباس المسلمين فأمر واضح لا إشكال فيه.
وإن قصدت ما كان على هيئة لبسهم الخاصة بهم فما تفسيرك لقوله صلى الله عليه وسلم: " فإنها من لباس الكفار ".
هنا عودة أخرى للتسمية "لباس المسلمين"، ولكن أظن أننا قد انتهينا من هذه المسألة فلا حاجة لاعادتها.
لا أرى في الحديث ما رأيته.
بل أرى فيه شاهدا صريحا على إيلاء الشريعة أمر المخالفة مقاما كبيرا لا يصلح التساهل فيه.
فالحديث دالّ صريح على أنه حتى في اللبس لذي أقرّ لنا , فإننا نندب لمخالفة الكفار فيه.
فالخف والسراويل من لباس المسلمين , لكن لمّا كان أهل الكتاب يداومون على الخف ويقتصرون على السراويل دون الإزار , ندبنا إلى التنويع بين الخف والنعل , وإلى لبس الإزار أو نحوه مما لا يستخدمه اليهود فوق السراويل.
مع أن غالب أهل الكتاب والكفار اليوم تركوا السراويل البتّة إلى لبس البنطال.
بل إن هذا الحديث شاهد على الوجوب لا الإباحة
ففي الحديث ذكر توفير اللحى (العثانين) وقص السبال (الشوارب) وهو الأمر المجمع على وجوبه , فإن قلنا بأن مخالفتهم بالانتعال والإئتزار غير واجة , وأن موافقتهم في هذا مباحة على السواء , ترتب عليه جعل موافقتهم في قص اللحى حلالا. وهو ما يخالف الإجماع على حرمتها ..
/// لم نختلف في أمر المخالفة .. هذا من ناحية.
/// ولكن يجب النظر في الحديث من ناحيتي الاباحة والتحريم.
فديننا الحنيف لم يحرم شىء لم يحرمه الله –عز وجل-، ومع ذلك كان الابقاء على المخالفة لأهل الكتاب.
وهنا تأتي الموازنة بين هذا وذاك، لا أن نجنح لتحريم الحلال لغرض المخالفة، ولا لتحليل الحرام للغرض ذاته.
أظن قياسك هذا جاء معكوسا؟ فالقياس يؤدي إلى تحريم لبس الكفار لا إباحته!
لأنهم وقد أجمعوا على وجوب توفير اللحى (العثانين) فالحديث جمع بين مخالفتهم بتوفير اللحى ومخالفتهم باللباس بأوامر متماثلة.
- مسائل المخالفة كثيرة، كمسائل الفطرة، السمت الظاهر، اللباس، وفي صيام يوم عاشوراء، والأكل والشرب بالشمال، والغلو في الدين كالرهبانية، والخضاب بالأسود .. وغير ذلك من الأمور.
هذه أشياء غير مختلف عليها في الأصل.
/// ولكن عندنا في الشرع لم يتم تحريم الحلال من أجل المخالفة، وتبقى عندنا قدر مشترك، مثل: لم يتم تحريم التسرول بالرغم من أن أهل الكتاب يتسرولون.
هل يمكنك أن تقول لمن يتسرول، أنت تتشبه بأهل الكتاب؟
1 - نعم يمكنك، إن أدام على ذلك.
2 - لا يمكنك، إن أتى بالمخالفة.
/// من هذا المثال، يمكنك معرفة القدر المشترك، ومتى يكون التشبه تشبهًا، ومتى لا يكون.
/// لأنه من الثابت أن التسرول من فعل أهل الكتاب، ولم ينكر ذلك الرسول –صلى الله عليه وسلم-، ولكن أمر بالمخالفة.
- كيف نخالفهم؟ بتحريم الحلال؟
بالطبع لا.
- بتحليل الحرام؟ كأن يأتي قوم لا يؤمنون بالله، فيقولون نحن لا نشرب الخمر، هل من أجل مخالفتهم أشرب الخمر؟
بالطبع لا.
إذن المخالفة في حدود الحلال والحرام، لا نتجاوزهما.
/// وأما من نواحي أخرى، قد نستأنس بأمثلة منها خلال هذه المُذاكرة:
- ابتكر الأمريكان على سبيل المثال نوع من أنواع الملبس، ألا وهو (الجينز) هذا النوع من الملابس إن استخدمه طلبة المدارس على سبيل المثال، فهو لا يبلى بسهولة، ولا يحتاج إلى الكيّ ونحو ذلك من المصالح.
- إن استحسنه المسلمون واستخدموه، فما هو الحكم؟
تأتي الأسئلة في هذا المقام ..
- هل هو شعار ديني للكفار من أهل الكتاب أو المجوس أو عبدة الشيطان أو غير ذلك؟
الإجابة: لا.
- هل يتميز به الكافر عن المسلم إن لبسه؟
الإجابة: لا.
إذن انتفى التشبه بشىء يختص به "الكفار"، وإن كان هو من عند العجم وصنعوه قبلنا، لأنه ليس من خصوصيات الكفار أصلا .. ولا علاقة له بالدين.
والله أعلم.
¥