فنقول: المراد بالحكم: الإنشائيُّ لا الخبريُّ، وما لا يثبت إلا بالسمع ينظر إليه من جهتين:

إحداهما: أصل ثبوته، وذلك ليس بإنشاء؛ لأن السمع فيه مخبرٌ لا منشئٌ؛ كقولنا: الجنة مخلوقة، والصراط حق.

والثانية: وجوب اعتقاده، وذلك حكم شرعيٌّ إنشائيٌّ، وهو عندنا عمليٌّ، من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا: ((الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف)).

وقولكم: هل تسمى الاعتقادات والنيات والأقوال أفعالا؟:

جوابه: أنها تسمى، وأما كون ذلك بالحقيقة أو المجاز، فيتوقف على نقل اللغة، والأظهر عندي أنه بالحقيقة.

ومن هنا يُعلَم: أن عدول الآمديِّ وابن الحاجب وغيرِهما عن لفظ العملية إلى لفظ الفرعية؛ احتجاجا بأن النية من مسائل الفروع، وليست عملا ليس بجيد؛ لأنها عمل.

فإن قلت: فلفظ: ((الفرعية))، أوضح من العملية، فلمَ لا اخترتموه؟:

قلت: لأنه لا يدخل فيه وجوب اعتقاد مسائل الديانات التي لا تثبت إلا بالسمع؛ فإنها عندي فقه، وليست فرعية.

وفي كلام الشيخ الإمام الوالد - رحمه الله تعالى- في شرح المنهاج ما يقتضي أن لفظ الفرعية أجود، وأن الأظهر أن وجوب اعتقاد ما ثبت من الديانات بالسمع لا يسمى فقها، ولكني لست أوافق على ذلك))، منع الموانع: (92 - 95).

(الفِقْهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبُ):

تقييد حد الفقه بالعلم الاكتسابي؛ يراد به العلمُ النظريُّ الاستدلاليُّ، وأول من قيد حد الفقه بالاكتساب هو الإمام الرازيُّ؛ اعتمادا على ترجيح تفسير الأستاذ أبي إسحاق الشيرازي للفقه في اللغة باختصاصه بإدراك الأشياء الخفية وفهم المعاني الدقيقة (انظر: شرح اللمع للشيرازي: 1/ 157 (تحقيق: عبد المجيد التركي)، ونفائس الأصول: 1/ 119 - 120)؛ فإنَّ فهم الدقائق لا يتأتى إلا بنظر واستدلال، وهذا التقييد يُخرِجُ العلمَ الضروريَّ، صرح بذلك الإمام القرافي في شرح تنقيح الفصول؛ حيث عرف الفقه بأنه: ((العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ))، ثم شرح هذا التعريف؛ فقال:

((وَقَوْلِي: ((بِالِاسْتِدْلَالِ)): احْتِرَازًا عَنِ المُقَلِّدِ، وَعَنْ شَعَائِرِ الإسلامِ؛ كوُجُوبِ الصلاةِ وَالصِّيامِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذلكَ؛ ممَّا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالِ، فَالعِلْمُ بِهَا لَا يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا لِحُصُولِهِ لِلْعَوَامِّ والنِّسَاءِ والبُلْهِ)).

وقلتُ في تعليقي على هذا الموضع من تحقيق شرح تنقيح الفصول وحاشية العلامة ابن عاشور عليه، يسَّرَ الله إتمامَهُ!!:

قد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – هذا القولَ بأنه: ((لم يُعلَمْ أحدٌ منَ المتقدِّمينَ قاله، ولا احترز بهذا القيد أحدٌ، إلا الرازيُّ ونحوُهُ، وجميع الفقهاء يذكرون فى كتب الفقه: وجوبَ الصلاة، والزكاةِ، والحجِّ، واستقبالِ القبلةِ، ووجوبَ الوضوءِ، والغُسْلِ من الجنابة، وتحريمَ الخَمْرِ والفواحشِ،،، وغيرَ ذلك؛ مما يعلم من الدين ضرورةً)). مجموع الفتاوى: 13/ 118، واعتراضه وَجِيهٌ، له حظٌّ منَ النظر، يضاف إليه أن هذا القيد يؤول بالفقه إلى أن يرادف الاجتهاد، وهو ما لم يقل به أحدٌ)).

وينص الأصوليون على أن تقييد حد الفقه بالعلم المكتسب يُخرِجُ العلم بالأحكام الشرعية العملية من غير طريق الاكتساب والاستدلال:

ـ كعلمِ الله - عز وجل - بالأحكام؛ فإنه ليس علما استدلاليا؛ لشمول علم الله – تبارك وتعالى - وإحاطته بالكليات والجزئيات على السواء، فلا يحتاج إلى استدلال.

ـ وكذلك يخرج علمُ جبريلَ عليه السلام؛ فإنه يَحصُلُ له بالخبر عن الله تعالى.

ـ كما يخرج به علم المقلد، فإن علمه بالأحكام يحصله من المفتي مباشرة بدون نظر واستدلال.

ـ وكذلك علم الخلافيِّ المَعْنِيِّ بأخذ الحكم مسلَّمًا به عن إمامه، ثم يعنى الخلافيُّ بعد ذلك بتقريره ودفع ما يعترض عليه به.

(الفِقْهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ):

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015