المراد بالأدلة التفصيلية: الأدلة الخاصة بالحكم المستنبَطِ منها، المستدَلُّ بها عليه مباشرة من غير واسطة؛ فإن الاستدلال المباشر هو الفارق بين الدليل التفصيلي والدليل الإجمالي، فالكتاب دليل من الأدلة الإجمالية الأصولية، والآية المعينة دليل تفصيلي على ما يستفاد منها من أحكام.

والضمير في قوله: ((أدلتها))، يعود إلى الأحكام، فيكون المعنى أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلة الأحكام التفصيلية، فإذا سَلِمَ هذا التفسير من الاعتراض، توجه عليه هذا الإيراد:

إيراد على حد الفقه: تقييد الفقه بالمستنبط من أدلة الأحكام غير جامع، فإن الأئمة المجتهدون لا يقتصرون في الاستدلال على أدلة الأحكام دزون غيرها، بل قد يستنبط الحكمُ الشرعيُّ من الخبر، ومن القَصَص؛ بل قد يستنبط الحكم الشرعي العملي من الأسماء والصفات؛ ومن شواهد ذلك في اجتهادات الفقهاء:

ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 33 - 34]، فقد استدل الفقهاء على سقوط حد الحرابة، بختم الآية بقوله تعالى: {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

ـ الدليل الأشهر للفقهاء على جواز الجعالة هو قوله تعالى – في قصة يوسف عليه السلام -: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، وليست الآية معدودة من آيات الأحكام، بل هي من آيات القصص القرآني.

ـ دليل الفقهاء على جواز الكفالة (وتُسَمَّى: الحَمَالةَ، والضمان الشخصي) قوله تعالى – في قصة يوسف عليه السلام أيضا -: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}.

دليل تحريم المعازف مأخوذ من حديث البخاري في الخبر عما سيكون بيد يدي الساعة من وقوع العذاب على مقترفي الزنا واستعمال المعازف وشرب الخمر؛ في قوله - -: ((يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف))، وليس الحديث مصنفا ضمن أحاديث الأحكام.

بل إن الأدلة الواردة في شرع من قبلنا الذي اعتبره بعض الأصوليين دليلا شرعيا، واستدل بأدلته التفصيلية بعضُ الفقهاء على استنباط الأحكام الشرعية -: جميع أدلته من هذا القبيل.

وتأسيسا على هذا: ينبغي أن يُحَرَّرَ التعريفُ من إضافة الأدلة إلى الأحكام ليعم كل دليل صالح للاستدلال به، وإن لم يكن مصنفا ضمن أدلة الأحكام.

ـ[مصطفى حسنين]ــــــــ[13 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, صباحاً 02:09]ـ

(وَالحُكْمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ):

(الحُكْمُ):

المراد بالحكم هنا الحكم الشرعي الذي هو من علم الأصول ثمرة تمامه، وصُرَّةُ إحكامه.

واحتيج إلى تعريفه في التصنيف الأصولي لأمرين:

أحدهما: أن الحكم هو ثمرة الأصول وغايته القصوى، ولا بد قبل الشروع في الأصول من الإحاطة بثمرته وفائدته، حتى لا يقع العبث في عمل مَن شرع في تعلُّمِهِ من غير دراية بقيمته ووظيفته المنوطة به.

والآخر: أنه عرَّف الفقهَ - قبلا - بالعلم بالأحكام؛ فاحتاج إلى تعريف الحكم، حتى يفهم الطالب حد الفقه على تمامه.

والمراد بالحكم هنا: الحكم الشرعي، على اعتبار أن لام التعريف فيه للعهد الذهني، إذ إن الحكم الشرعي هو مراد الأصوليين من بحوثهم.

(وَالحُكْمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى):

المراد بالخطاب الكلام الموجَّه إلى آخر بقصد الإفهام، وللأصوليين اعتراض مشهور في هذا السياق متعلق بقدم الخطاب، فكيف يتعلق القديمُ بالمُحْدَثِ، والجواب الإجمالي: أن هذا الاعتراض مبنيٌّ على مذهب الأشاعرة في إثبات الكلام النفسيِّ، والقول بِقِدَمِ الكلام، وسيأتي تفصيل القول فيه عند بيان قول المصنِّفِ – رحمه الله -: ((وَالكَلَامُ فِي الأَزَلِ: قِيلَ: لَا يُسَمَّى خِطَابًا، وَقِيلَ: لَا يَتَنَوَّعُ)).

(وَالحُكْمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ):

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015