والأحكام التجريبية ككون النار محرقة من أفراد الحكم الحسي، والأحكام العرفية كذلك مستفادة من الحكم الوضعي، فإنها استقرار تواضع مجموعة من الناس على معنى من المعاني واطراد هذا التواضع حتى يصير عرفا مستقرا معمولا به شرعا.

(الفِقْهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ):

تقييد الحد بالأحكام الشرعية أخرج ما سواها من الأحكام العقلية المحضة، والأحكام الحسية استقلالا، وإنما قيدناها بالاستقلال؛ لأن ثَمَّة أحكاما مستفادة من العقل ومن الحس، بعد اعتبار حجيتها شرعا؛ كالقياس العقلي المصلحي، والإثبات بالخبرة ورؤية الهلال، ورؤية المبيع،،، وغيرها من الأحكام العقلية والحسية المعتبرة شرعا.

(الفِقْهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ):

وتقييد الحد بالأحكام العملية أخرج - من الفقه - العلمَ بالأحكام الشرعية العلمية؛ ومنها قضايا العقائد من العلم بالأسماء والصفات، وأحكام الأفعال، والنبوات، وأحكام السمعيات؛ من تفاصيل البرزخ واليوم الآخر من الصراط والميزان والحوض والجنة والنار،،، وغيرها، وإن أمكن عدُّ الأحكام العلمية العَقَدِيَّة أحكاما تكليفية باعتبار توجُّه الأمر الشرعي بالإيمان بها، وما يترتب على هذا الإيمان – بعد ذلك – من الأحكام الشرعية المبنية عليها، خاصة ما في باب الأسماء والأحكام؛ من القضايا التي يترتب عليها الحكم بإسلام صاحبها أو بكفره، أو رِدَّتِهِ.

كما أن الأحكام العَقَدِيَّة لها ثمرة عملية لا شك فيها، وهي الأثر القلبي المترتب على الإيمان بأحكام العقائد، فإن لها أثرا بالغا في إخبات القلب وسكينته، كما أن لها أثرا عمليا في سلوك المكلف يظهر على جوارحه؛ فمن آمن بأن الله عز وجل هو الرب الخالق الرازق، لم يذل نفسه لغيره، وإذا آمن العبد بسَمْعِ الله تعالى وبَصَرِهِ وعِلْمِهِ؛ راعى هذه الإحاطة به في تصرفاته؛ فحَرَصَ على أن لا يَسمعَ الله من أقواله إلا خيرا، ولا يرى من أفعاله إلا بِرًّا، وإذا آمن بالقضاء والقدر خيرِهِ وشرِّهِ، كان له في هذا الإيمان أكبرُ العون على الصبر على نوائب الدهر، وقوارع الحدَثان.

ومن أَجْمَعِ ما قرأته في هذا المعنى كلام الإمام عزِّ الدين ابن عبد السلام؛ حيث يقول: ((أما ما قرن بالآيات من الصفات، فإنه جاء أيضا حاثًّا على الطاعات، وزجرًا عن المخالفات؛ مثل أن يذكر سَعَةَ رحمته؛ ليرجوه؛ فيعملوا بالطاعات، ويذكُرَ شدَّةَ نقمته؛ ليخافوه؛ فيجتنبوا المخالفات، ويذكر نظره إليهم، ليستحيوا من اطلاعه عليهم؛ فلا يعصوه، ويذكُرَ تفرُّدَهُ بالضر والنفع؛ ليتوكلوا عليه، ويُفَوِّضُوا إليه، ويذكُرَ إنعامه عليهم وإحسانه إليهم؛ ليُحِبُّوه ويطيعوه ولا يخالفوه، فإن القلوب مجبولة على حب من أنعم عليها وأحسن إليها، وكذلك يذكر أوصاف كماله ليعظموه ويهابوه، ويذكر سمعه ليحفظوا ألسنتهم من مخالفته، ويذكر بصره؛ ليَسْتَحْيُوا من نظر مراقبته، ويجمع بين ذِكر رحمته وعقوبته، ليكونوا بين الخوف والرجاء؛ فإن السَّطْوَةَ لو أُفرِدَتْ بالذِّكر، لخِيفَ من أدائها إلى القنوط من رحمته، ولو أُفرِدَتِ الرحمةُ بالذِّكر، لخِيفَ من إفضائها إلى الغرور بإحسانه وكرامته، مثل قوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم}، وقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب}، وقوله: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم}، وقد يجمع المدائح في بعض المواضع، ليتعرف بها إلى عباده فيعرفوه بها ويعاملوه بمقتضاها))، قواعد الأحكام في مصالح الأنام: (1/ 27 - 28).

وقد اختار بعض الأصوليين تقييد حد الفقه بالأحكام الفرعية دون العملية، وتوسَّع المصنف – رحمه الله – في منع الموانع في ترجيح قيد العملية على الفرعية؛ وهذا تمام كلامه:

((وأما قولنا - في حد الفقه- ((العملية)): معقولنا: ((الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف)): فلا منافاة فيه.

وقولكم: ((الاعتقادات الدينية؛ كأصول الدينأحكام)):

جوابه: أن أصول الدين منه ما يثبت بالعقل وحده؛ كوجود الباري، ومنه ما لا يثبت إلا بكلٍّ منَ العقل والسمع، وهذان خرجا بقولنا: ((الشرعية))، وتفسيرنا إياها نحن وغيرنا بما يتوقف علي االشرع، ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع؛ كمسألة أن الجنة مخلوقة،،، ونحوها:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015