وفي الأدب المفرد للإمام البخاري عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده، أنه أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما اسمك؟» قال: حَزن، قال: «أنت سهل»، قال: لا أُغَيِّر اسما سمَّانِيهِ أبي. قال الإمام سعيد ابن المسيب: فما زالت الحُزُونَةُ فينا بعد.

وأراني أطلت في تقرير هذا المعنى لخفائه في باب المصطلحات والمفاهيم، ولأهميته في شرح الحدود.

وليس المراد بالعلم في حد الفقه ما اصطلح عليه المناطقة من أنه إدراك الذهن الجازم المطابق لموجب؛ بل مرادهم به مطلق حصول المعنى في الذهن، من غير حكم عليه بقطع أو ظن، وذلك لأن الفقه أكثرُهُ من باب الظنون؛ لأن القطعية تستفاد من دليل قطعيِّ الثبوت قطعيِّ الدَّلالة، فلو اعتور الدليلَ ظنٌّ من أحد جهتيه كان مدلوله ظنيا، إذ من القواعد المنطقية أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، فينتج عن هذا أن احتمال القطع في الأحكام نسبتُهُ نسبةُ الواحد إلى الثلاثة، فهذا دليل كون أكثر الفقه ظنيا.

وهذا التأويل أولى من تعليل المسألة بالقطعية في لزوم العمل؛ على ما علله به إمام الحرمين في البرهان، فإن الجهة منفكَّة، فالكلام هنا في حد الفقه في نفسه، والعلم مرتبط في هذا الحد بالأحكام الفقهية في نفسها، بينما ارتبط جواب أبي المعالي بالعمل بالحكم الشرعي في حق المجتهد، وقد أشار العلامة ابن عاشور إلى ضعف هذا التخريج في حاشيته على شرح تنقيح الفصول.

(الفِقْهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ):

الأحكام: جمع حكم، وحقيقته النسبة والإضافة؛ إذ فيه إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه؛ فقولك: ((زيد قائم))، حكمٌ، وفيه نسبة القيام إلى زيد، وكذا قولك: ((زيد ليس بقائم))، حكمٌ أيضا؛ فإن فيه نَفْيَ القيام عن زيد، فيخرج بقيد الأحكام - عن حد الفقه – ما لم يحوي نسبة بين شيئين، فخرج التصور؛ لأنه إدراكٌ لمعنًى مفردٍ لا تركيبَ فيه، ولا نسبة، وسيأتي كلام المصنف في تعريف التصور والتصديق، وبيان الفرق بينهما.

وللأحكام أنواع متعددة بحسب مصدرها، يبلغها بعضهم من الأحكام عددا، إلا أنها – عند التحقيق - راجعة إلى ثلاثة أحكام، ليس غير؛ هي:

ـ الأحكام العقلية.

ـ والأحكام النقلية.

ـ والأحكام الحسية.

ـ فالحكم العقلي: يشمل الأحكام البَدَهِيَّةَ الضروريَّةَ؛ كاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ووجوب إثبات السبب لكل مسبَّب، والأحكام العقلية الضرورية عاملة في مساحتى الوجوب العقلي، والمستحيل العقلي، ولا عُلْقَةَ لها بباب الإمكان العقلي، ومن الأحكام العقلية ما هو مستفاد من العلم الكسبيِّ الاستدلاليِّ، المستفادِ من النظر الذي هو حركة النفس في المعقولات، ولا يختص العلم الكسبي بوجوب أو استحالة أو إمكان؛ بل يحكم في هذه الثلاثة الأنواع.

كما يختص الحكم العقلي بالكليات، دون الجزئيات، والقول المشهور عن العلماء اختصاصُ الإنسان بالعقل لاختصاصه بالعلم بالكليات دون غيره من سائر أنواع الحيوان، ممن أشار إلى هذا المعنى الآمدي في ((أبكار الأفكار))، والرازي في ((المطالب العالية))، وانظر خلاف هذا القول عند ابن الوزير اليماني في ترجيح أساليب القرآن، وفي: ((إيثار الحق على الخلق)).

ـ والحكم النقلي: هو الحكم المستفاد من النَّقْل والخبر، كالتاريخ، واللغات،،، وغيرهما.

ومما ينبغي الالتفات إليه: أن الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، إنما هي أدلة نقلية عقليه؛ فإنها نقلية باعتبار مصدرها؛ الذي هو الوحي، وعقلية استدلالية باعتبار معناها.

ـ والحكم الحسي: هو الحكم المستفاد من الحواس الخمس: السمع، والبصر، واللمس، والذوق، والشم، وتختص الأحكام الحسية بالأحكام الجزئية، إذ ليس للحواس إلا قضيةٌ في عَيْنٍ.

وما سوى هذه الأنواع الثلاثة إنما هو داخل فيها، أو مركب منها؛ فالدليل الشرعي داخل في الدليل الوضعي؛ فإن الشريعة من باب الأحكام الوضعية؛ ولذلك جاز فيه التغيير بالنسخ، والتدرج في التشريع، يقول الإمام الشاطبي – في هذا المعنى-: ((الوضعيات قد تجاري العقليات في إفادة العلم القطعي، وعلم الشريعة من جملتها؛ إذ العلم بها مستفاد من الاستقراء العامِّ الناظِمِ لأشتات أفرادها، حتى تصير في العقل مجموعةً في كلياتٍ مطردَةٍ عامَّةٍ ثابتةٍ غيرِ زائلة ولا متبدِّلة، وحاكمة غير محكوم عليها)). الموافقات: (1/ 77).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015