وقد يستغنى عن المطالبة بهذا التقييد لحد الأصول؛ بالنظر إلى إضافة الأدلة إلى الفقه، فينظر إلى الأدلة من جهة كونها أدلة الفقه دون غيره، وإن كان في التقييد رفع الالتباس، وإن كان المصنف نفسه راعى مثل هذا القيد في تعريف الحكم الشرعي؛ حيث عرفه بأنه: ((خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ))، وسيأتي قريبا بيان هذا القيد وقيمته في بابته.
وأنواع الأدلة الإجمالية تذكر باعتبارات مختلفة:
فتُصَنَّفُ باعتبار مصدرها إلى:
أدلة أصلية؛ وهي: الكتاب والسنة.
وأدلة ثانوية: ويدخل فيها سائر الأدلة الإجمالية من الإجماع والقياس والأدلة المختلَف فيها؛ فإنها جميعا راجعة إلى الكتاب والسنَّة، ومستفيدةٌ حُجِّيَّتَهَا منها.
وتصنف باعتبار قوة الدلالة على مدلولاتها إلى:
أدلة قطعية: وهي ما كان من الكتاب قطعيَّ الدَّلالة؛ كالعدد والمؤكَّد ونحوهما مما لا يقبل الصرف عن معناه الوضعي بنحو مجاز أو تأويل، ومن القطعي أيضا خبرُ التواترِ القطعيُّ الدَّلالة، وكذلك الإجماع بإطلاق؛ فإنه لا يكون إلا قطعي الدَّلالة.
ظني الدَّلالة: ويحوي سائر الأدلة من غير ما ذكر في الفقرة السابقة.
وتصنف باعتبار مصدرها إلى:
الأدلة النقلية: وهي الأدلة المعتمدة على السمع والخبر، ويشمل هذا النوع الأدلة النقلية؛ من الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، والعرف.
الأدلة العقلية: ونعني بها الأدلة العقلية الخالصة، غير المستندة إلى النقل، ويدخل فيها القياس العقلي المصلحي؛ فإن قوامه النظر العقلي في تقدير المصالح والمفاسد، والترجيح بينهما عند التزاحم.
الأدلة العقلية النقلية (المركبة): وهي الأدلة المستفادة من إعمال العقل في فهم الدليل النقلي للوصول إلى الحكم الشرعي، ويدخل فيها قواعد فهم النصوص، وهو ما يعرف عند الأصوليين بباب دَلالات الألفاظ، كما يدخل فيها القياس الفقهي (قياس التمثيل)، وغيرها.
وتصنف باعتبار اعتمادها لدى الأصوليين إلى:
الأدلةُ المتفَقُ عليها: وأفرادها الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
الأدلةُ المختلَفُ فيها: وأفرادها سائر الأدلة غير الأربعة المتفَق عليها؛ ومنها: الاستصحاب، والاستحسان، والاستقراء، والمصلحة المرسلة، العرف، قول الصحابي، شرع من قبلنا،،، وغيرها، ويجمعها عند بعض الأصوليين بابُ الاستدلال، وقد توسع بعض الأصوليين في تعداد الأدلة المختلَف فيها؛ حتى أوصلها بعضهم إلى بضع وعشرين دليلا، وأدخل فيها كل وجه للاستدلال لأدنى ملابسة، حتى أَحْصَوْا منها الرؤيةَ، والإلهام، والاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول، والأخذ بأقل ما قيل، وبأكثر ما قيل، والعمل بالأحوط، والعمل بالظاهر، والقرعة، وشهادة القلب، وتحكيم الحال، وعموم البلوى،،، وغيرها، ومن أكثر من توسع في عدِّ الأدلة المختلف فيها الإمام الخادمي في كتابه النافع: ((مجامع الحقائق والقواعد وجوامع الروائق والفوائد)).
ومن الجدير بالذكر في هذا السياق: أنه كان من المتوقع للأصوليين أن يُعْنَوْا ببحث منهج الاستدلال الأصولي، وهو ما يسمى في الفلسفة الحديثة بنظرية المعرفة؛ فيتعرضوا لمباحث من مثل: طبيعة المعرفة، وإمكان المعرفة، وآلة المعرفة، والطرق الموصلة إلى معرفة القواعد الأصولية والأدلة الكلية، وحقيقة الدليل الأصولي ومقوماته، وأنواعه، ومصادرها، والترتيب بينها:
وقد كان الأصوليون أولى من غيرهم بتحرير هذه المباحث، وصوغها في نظرية كاملة المباحث، مستوفية الأركان.
ومن الغريب أيضا أن الأصوليين لم يتعرضوا لصياغة منهج الاستدلال الأصولي، إلا ما كان من محاولة اثنين من كبار علماء الأصول، تكلموا في مثل هذه المباحث؛ هما القاضي أبو بكرٍ البَاقِلَّانِيُّ في التقريب والإرشاد: (1/ 174 - 228)، وتبعه إمام الحرمين الجويني في البرهان: (1/ 111) وما بعدها، بدءا من عنوان: ((القول في العلوم ومداركها وأدلتها)).
لم يهتم الأصوليون بعدهما بدراسة منهج البحث الأصولي مع أن أقطاب الأصوليون هم أنفسهم كانوا أئمة في علم الكلام، وقد تناولوا مثل هذه المباحث في مصنفاتهم الكلامية، كان أول من سلك هذا الطريق الإمام أبو منصور الماتريدي في كتابه ((التوحيد))، والمَاتُرِيدِيُّ نفسُهُ له كتاب في الأصول؛ هو كتاب: ((مآخذ الشريعة))، ثم تَبِعَهُ الإمام القاضي أبو بكر البَاقِلَّانيُّ؛ فصاغ مقدمة نظرية في أحكام النظر العقلي والأدلة الكلامية وأنواعها وترجيح بعضها على بعض، في كتابه: ((التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والمرجئة والشيعة والمعتزلة))، وقد كان أحرى بالإمام أبي حامد الغزالي أن يهتم بتحرير هذه المباحث بدلا من أن يضيف المنطق الصوريَّ السِّينَوِيَّ بعُجَرِهِ وبُجَرِهِ إلى أصول الفقه.
وأخيرا: لا يفوتني هاهنا أن أَلفت انتباه الإخوة الكرام إلى جهود الإمام العلامة أبو إسحاق الشاطبيِّ في هذا المجال في ثنايا كتابه الحافل الماتع ((الموافقات))؛ لا سيما في مقدمات الكتاب، إلا أن جهوده لم تجد من يُعْنَى بها ويكمل بحثها ليخرج لنا صياغة ناضجة للمنهجية المعرفية عند الأصوليين.
(وَقِيلَ: مَعْرِفَتُهَا):
أي: وقيل في تعريف أصول الفقه: إنه معرفة أدلة الفقه الإجمالية، اعتمد هذا التعريف ابنُ الحاجب في مختصره، والبَيْضَاويُّ في المنهاج، وعبر المصنف عنه بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه وترجيحِ التعريف الأول، وقد عقد المصنف بحثا في ترجيح تعريف أصول الفقه بالأدلة لا بمعرفتها في منع الموانع: 88 - 92،، فليراجع ثمَّة.
¥