المنقولات، وإما بخفاء؛ كإطلاق الجوهر على الذات عند الفلاسفة؛ لأنها لنفاستها وقيام الأعراض بها أشبهت الجواهر، (وانظر بسط الكلام في ترجيح هذه الطريقة في نفائس الأصول للقرافي: 1/ 111 - 113، التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح للعلامة محمد الطاهر بن عاشور: 1/ 25).

والدلائل: جمع دَلَالَةٍ، وفيها ثلاث لغات: الفتحُ، والكسرُ، والضمُّ، غير أن لغة الضم منها تقلب ألفها واوا؛ فتكون: ((الدُّلُولَة))، وقيل هي جميعا بمعنًى، والفتح أفصحها، وقيل بالتفريق بينها، باختصاص الفتح بالمعنويات؛ كدلالة الدليل على مدلوله، والكسر بالحسيات؛ كدلالة العَقْدِ على الأرقام، والأعلام على حدود البلدان، وأكثر اللغويين لم يذكروا لغة الضم.

وقد كان الأَوْلَى للمصنف - رحمه الله تعالى - أن يعرِّف الأصول بأدلة الفقه الإجمالية لا بالدلائل:

لأن الأدلة هي المرادة في هذا السياق، لا الدلائل:

ومن غريب ما يُذكَر هنا: أن والد المصنف الإمامَ تقيَّ الدين السبكيَّ الكبيرَ – رحمه الله تعالى - قد انتقد تعريف الأصول بالدلائل؛ فقال – في شرح تعريف البيضاوي لأصول الفقه -: ((وقول المصنف: ((دلائل)): لو قال: ((أدلة)) كان أحسن؛ لأن ((فَعِيلًا)) لا يُجمَع على: ((فعائِلَ))، إلا شاذًّا)). الإبهاج في شرح المنهاج: (1/ 24 - 25)، والمصنف مع ذلك لم يتعرض لاستخدامه هذه اللفظة بتعليل في منع الموانع.

(الإجمالية):

المراد بالإجمالية الكلية، التي تستخدم في استنباط الأحكام بواسطةٍ، بخلاف الدليل التفصيليِّ المستخدَمِ في استنباط الحكم الشرعي مباشَرَةً، بدون واسطة؛ فاستدلال الفقيه على تحريم الميتة بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}: تدخل الآية في استدلاله بشكل مباشر؛ فإن استفادة التحريم من هذه الآية مباشرة، فتكون الآية دليلا تفصيليا، والدليل الإجمالي غير المباشر في هذه العملية الاستدلالية، هو: ((القرآن كلام الله تعالى؛ فيكون حُجَّة في استفادة الأحكام الشرعية منه))، فحجية القرآن دليل كُلِّيٌّ مُرَاعًى في استنباط الأحكام من الأدلة التفصيلية.

وتفسير وصف إجمالية الأدلة بالكلية أولى من تفسير أبي الحسين البصري للإجمال – في هذا السياق - بعدم التعيين؛ حيث قال: ((فإن قيل: فما معنى وصفكم أصول الفقه بأنها طرق الفقه على جهة الإجمال؟:

قيل: معنى ذلك أنها غير معيَّنَةٍ؛ ألا ترى أنا إذا تكلمنا في أن الأمر على الوجوب، لم نُشِرْ إلى أمرٍ معيَّنٍ))؛ انتهى من المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري: (1/ 10)، وانظر: تشنيف المسامع: (1/ 81):

فإن أدلة الفقه معيَّنَةٌ في نفسها؛ كالكتاب والسنة والإجماع والقياس،،، وغيرها، لكنها عامَّة كلية، لا جزئية تفصيلية.

وقد اختلف الأصوليون في تحديد موضوع أصول الفقه على أقوال؛ أهمها:

ـ أن موضوعه: الأدلة.

ـ أن موضوعه: الأحكام.

ويسوق الأصوليون في مصنفاتهم ترجيحات بين القولين، مع أن القولين ليس بينهما تعارُضٌ – صَرَّحَ بذلك العلامة الشنقيطي في نثر الورود: 1/ 32، وكذا في مُذَكِّرتِهِ على روضة الناظر - وذلك لأن موضوع كل عِلْمٍ يتضح ببيان مقصد العلم ووظيفته؛ فالطبُّ وظيفته العناية ببدن الإنسان صحَّةً ومرضًا، وقايَةً وعلاجًا، فكان موضوعه بدن الإنسان، من حيث ما قد يعتريه من أمراض وأسقام، وطُرُقُ علاجِها، وسُبُلُ الوقاية منها قبل حدوثها؛ فكذلك علم أصول الفقه؛ فإن وظيفته ومَقْصِدَهُ بيانُ القواعد ورسم المنهج الذي يستطيع المجتهد بإعماله أن يتوصَّلَ إلى الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلة التفصيلية.

وتأسيسا على ذلك: يكون موضوع أصول الفقه: أدلة الفقه من حيث كونها موصِّلَةً إلى استنباط الحكم الشرعي:

ولهذا يَحسُن تقييد تعريف أصول الفقه بأنه: ((أدلة الفقه الإجمالية من حيث كونها موصلة إلى الفقه))؛ وذلك لأن أدلة الفقه الإجمالية لها اعتبارات أخرى لا يبحثها الأصولي؛ فالكتاب – من أدلة الفقه الإجمالية - يَبحث فيه المفسِّرُ باعتبارات أخرى؛ كبحث إعجاز القرآن، وبلاغته، وطريقة نزوله، وتجزيئه وتحزيبه وتربيعه، وأسباب نزوله،،، إلى آخر مباحث علوم القرآن، وكذلك السنة النبوية وغيرها من أدلة الفقه الإجمالية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015