الدليل الرابع: العَقْد الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية والحديث في الصحيح من حديث المسور بن مخرمة وأنس وغيرهما , وفي هذا العَقد والصُّلح: أنه إذا جاء الرجل إلى النبي مسلماً فإنه يرده بخلاف العكس , وهذا لولا المصالح والمفاسد لكان محرَّماً لأنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم " أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " لكن أجاز مثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة للمصلحة وذلك أنه دَرَءَ مفسدةً كبرى بمفسدة صغرى.
_ ومن الأدلة استعمال الصحابة للمصالح المرسلة ومن ذلك:
- جمعهم للقران.
- كتابتهم له , كما فعل أبو بكر.
- ومن ذلك أن عثمان رضي الله عنه أثبت رسماً واحداً للقران.
- ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضع الدواوين والسجون.
تنبيهات:
_ التنبيه الأول: قد أرجع العز بن عبد السلام كما في كتابه في القواعد الفقهية الدِّين كلَّه إلى قاعدة واحدة وهي: أن الدِّين قائم على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام كثير في هذا كما في (مجموع الفتاوى) , وقد قرر هذا ابن القيم كما في كتابه (إعلام الموقعين) , وقرره الشاطبي كما في كتابه (الموافقات).
التنبيه الثاني: إذا تعارضت جلب المصلحة مع درء المفسدة فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح , لذلك دَرَءَ النبي صلى الله عليه وسلم مفسدة ارتداد الأعرابي الذي بال في المسجد ونفوره عن الدِّين على مصلحة حفظ المسجد ونظافته , لكن هذه القاعدة مقيدة بقيد دقيق ذكره السبكي في (الأشباه والنظائر) وذكره الشيخ ابن عثيمين في بعض فتاواه: وذلك إذا تساويا أي تساوى درء المفسدة مع جلب المصلحة أما إذا غلبت مصلحة جلب المصالح فإنها مقدمة على درء المفاسد.
التنبيه الثالث: مما يعين كثيراً على التمييز بين المصالح المرسلة والمصالح الملغاة هو: أن ينظر في مقتضي جلب هذه المصلحة والمانع من فعل هذه المصلحة فإذا وُجد المقتضي لفعل هذه المصلحة عند النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه ولا مانع يمنعهم فإن هذه المصلحة ليست مصلحة مرادة في الشرع فليست مصلحة مرسلة وإنما من المصالح الملغاة لأن هذه المصلحة لو كانت خيراً ومرادةً في الشرع لفَعَلَهَا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقد أشار إلى هذا الضابط شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من (مجموع الفتاوى) , ومما ضربه على ذلك مثلاً الشاطبي في كتاب (الاعتصام) أن بعض العلماء إذا وقع غنيٌّ في كفَّارة ظِهَار أو جِماع في رمضان فإنه يأمره بالصيام ولا يأمره بما أمره الله به ونبيه بعتق رقبة فإن لم يجد صام , وذلك أنه يقول: إن أَمْرَهُمْ بالصيام أردع لهم وأزجر لكون الرقاب متيسرة لهم.
ردَّ هذا الشاطبي وبين أن هذه من المصالح الملغاة لأنها خلاف ما يريده الله ورسوله, ولأنه أيضاً لا يسلَّم بأن المصلحة تقتضيه بل المصلحة تقتضي أن يُبدأ بعتق الرقبة لأن الشريعة تتشوف لعتق الرقاب لما فيه من نفع للمملوك.
الدليل التاسع
دليل سد الذرائع:
وهذا الدليل مجمع عليه من حيث الجملة كما حكى الإجماع القرَّافي في (شرح تنقيح الفصول) والمراد بدليل سد الذرائع: سد كل طريق موصل إلى محرم.
والأدلة كثيرة في الدلالة على أنه حجة حتى أنَّ الإمام ابن تيمية بسط الكلام وذكر الأدلة على دليل سد الذرائع فذكر ثلاثة وثلاثين دليلاً على وجوب سد الذرائع , أما الإمام ابن القيم ففي كتابه (إعلام الموقعين) أخذ كلام شيخه وزاد على الأدلة إلى أن أوصلها إلى تسعة وتسعين دليلاً.
ومن الأدلة على وجوب سد الذرائع ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} , وجه الدلالة أنه سد الذريعة إلى سبه بالنهي عن سب آلهة المشركين.
الدليل الثاني: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} , وجه الدلالة أن الشريعة نهت عن النظر للحرام تطهيراً للقلوب حتى لا يقع الزنا.
الدليل الثالث: قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} , وجه الدلالة: أنه نهى المرأة أن تضرب برجلها سدا لذريعة النظر للزينة التي تُوقع في الحرام والزنا.
¥