فائدة / وقد حقق أبو المظفر السمعاني في كتابه قواطع الأدلة دليل الاستصحاب في بحث مفيد نتيجته: أنه لا دليل يصح أن يسمى استحساناً وذلك أن هذا الدليل المسمى استحساناً يرجع إلى غيره.
الدليل السابع:
الاستصحاب:
وهو أقسام ثلاثة:
الأول:استصحاب الأصل ويسمى بالبراءة الأصلية وهذا من حيث الجملة مجمع عليه وهو: بقاء ما كان منفياً على النفي وما كان مثبتاً على الإثبات.
الثاني:استصحاب النص وهو: استصحاب الدليل الشرعي فإن كان الدليل عاماً عمل به على عمومه وإن كان مطلقاً عُمِل به على إطلاقه.
الثالث:استصحاب الإجماع وهو: الاحتجاج بالإجماع في صورة مجمع عليها في صورة مختلف فيها ويمثل على ذلك الأصوليون باستصحاب إجماع العلماء على بطلان التيمم عند وجود الماء خارج الصلاة ببطلانه عند وجود الماء داخل الصلاة فإن الحكم ببطلان التيمم لمن شرع في صلاته بعد وجود الماء مختلف فيه.
وقد حقق أبو المظفر السمعاني في كتابه قواطع الأدلة دليل الاستصحاب في بحث مفيد نتيجته: أنه لا دليل يصح أن يسمى استصحابا ,ً وذلك أن هذا الدليل المسمى استصحاباً يرجع إلى غيره.
أما القسم الأولفيرجع إلى البراءة الأصلية وإن سمي استصحاب الحال.
والقسم الثانيفيرجع إلى العمل بالعمومات وبألفاظ الشرع , وممكن أن يقال يرجع إلى الاستحسان الشرعي.
أما القسم الثالثفهو من حيث الأصل ليس حجة لأن هذه الصورة المتنازع فيها ليس مجمعاً عليها فالأصل أن لا يحتج باستصحاب الإجماع وإنما ينظر هل تدل الأدلة الأخرى عليه أم لا؟ فسقط هذا القسم الثالث.
وقد قرر قريباً من كلام أبي المظفر السمعاني الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين.
الدليل الثامن:
الاستصلاح:
والمراد بالاستصلاح أي الاحتجاج بالمصالح المرسلة والمصالح من حيث العموم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مصالح معتبرة وهي التي اعتبرها الشارع بنص خاص كتوثيق الديون بالشهادة والكتابة وتوثيق النكاح بشاهدي عدل قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} , إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} , فهنا اعتبرت الشريعة كتابة الدَّين واستشهاد رجلين , أما في النكاح فقد ثبت عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ", فتثبيت هذه الأمور بالشهادة هو من المصالح المعتبرة لأنه ورد في إثباتها نص خاص.
القسم الثاني: المصالح الملغاة وهي التي وَرَدَنا نص خاص بإلغائها مما ظنه الناس مصلحة , كمصلحة كسب المال عن طريق الربا كما قال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}.
القسم الثالث: المصالح المرسلة وهي التي لم يرد فيها دليل خاص باعتبارها مصلحة وإن كانت تدل عليها الأدلة العامة , وسميت مرسلة أي مطلقة لأنه لم يثبت دليل في اعتبارها ولا في إلغائها , وهذا الدليل دليل مهم ودقيق ويخطئ فيه كثيرون فينبغي الحذر الشديد عند تطبيق هذا الدليل.
والأدلة على حجية المصالح المرسلة: هو كل دليل يدل على أن الشريعة قائمة على تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها , والأدلة على ذلك كثيرة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} , وجه الدلالة: أن الله نهى عن أمرٍ مطلوب في الشرع لأنه يؤدي إلى مفسدة أكبر. أفاد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (بيان الدليل على بطلان التحليل) وابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين).
الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيحين " أن أعرابياً بال في المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه " , وجه الدلالة: أن إنكار المنكر مصلحة لكن لما ترتبت عليه مفسدة أكبر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. ذكر هذا كثير من العلماء كالحافظ ابن حجر وغيره.
الدليل الثالث: ما ثبت في البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمتُ الكعبة وبنيتها على قواعدها الأربع ولجعلت لها بابين باباً يدخل منه الناس وباباً يخرجون منه " , وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها للمصلحة لأنه يترتب عليها جلب مفسدة أكبر.
¥