التنبيه الرابع:تصحيح الأحاديث وتضعيفها أمر نسبي في كثير من صوره فمن ظهر له صحة حديث وغيره يضعفه أو العكس فلا يشنع بعضهم على بعض بالتجهيل أو التضليل لأنه أمر نسبي إلا أن بعض العلماء يُعرف بالنظر في تصحيحاته بأنه متساهل فينبغي الحذر من قبول تصحيح أمثال هؤلاء , وقد ذكر الشيخ الألباني أن السيوطي والهيثمي وأمثالهما متساهلون في باب التصحيح والتضعيف فلا يعوَّل على تصحيحهم وتضعيفهم لكن يستفاد منهم , وأيضاً يعتضد بكلامهم تبعاً لا اعتماداً.
وذكر المعلمي في مقدمة تحقيقه لـ (الفوائد المجموعة) للشوكاني أن كثيراً من المتأخرين متساهلون في باب التصحيح والتضعيف.
التنبيه الخامس:
للسنة إطلاقات:
الإطلاق الأول:استعمال الشرع , وهو بمعنى الطريقة وقد تكون على المستحب أو الواجب , لأن الطريقة التي يسلكها النبي صلى الله عليه وسلم في عباداته ما بين واجب أو مستحب , فمثلاً طريقته في الصلاة أنه يركع فهذه طريقة واجبة , وطريقته في الصلاة أنه يقبض باليمنى على اليسرى وهذه طريقة مستحبة , والكل شرعاً يسمى سنة بإطلاق الشرع فعليه: إذا جاء في الشرع وصف هذا المأمور بأنه سنة فهذا لا يصرفه من الوجوب إلى الاستحباب لأن السنة شرعاً تطلق على الطريقة سواءً كانت مستحبة أو واجبة.
مثال ذلك:
جاء في الشرع الأمر بالختان , وجاء وصفه بأنه سنة من سنن الفطرة , فوصفه بأنه سنة لا يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب , وقد نبه على هذا جمع من العلماء كابن حجر في (فتح الباري) والشوكاني في (نيل الأوطار)
الإطلاق الثاني:إطلاق السنة عند الفقهاء , والمراد بها ما يقابل الواجب وهي: ما يثاب فاعلها امتثالاً ولا يستحق العقاب تاركها.
الإطلاق الثالث:عند علماء الأصول وهو ما يقابل القرآن وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره.
الإطلاق الرابع:السنة عند المحدثين وهي: قول النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره وصفته الخَلقية والخُلقية. الإطلاق الخامس: السنة عند علماء الاعتقاد وهي: ما يقابل البدعة. ومنه ما خرّج الخمسة إلا النسائي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " صحح الحديث الترمذي والبزار وأبو نعيم.
الدليل الثالث:
الإجماع:
وهو من أعظم أدلة أهل السنة , وقد سبق ذكره بما يكفي إن شاء الله.
الدليل الرابع:
قول الصحابي: وهو أيضاً من أعظم الأدلة لأنه فرع عن الإجماع لكنه إجماع الصدر الأول , ثم من قوم لهم مزية علماً وتقىً فهم أفضل الخلق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ذكره بما يكفي إن شاء الله.
الدليل الخامس:
القياس:
وهو من أدلة أهل السنة المجمع عليها , وقد تقدم ذكر أدلته وبعض ما يتعلق به بما يكفي إن شاء الله في إثبات أنه دليل.
أما حقيقة القياس وتعريفه فهو يرجع إلى أن الشريعة محكمة لا تفرق بين متماثلات ولا تمثل وتسوي بين متفرقات , هذا من جهة. ومن جهة أخرى أن للأحكام الشرعية عللاً شرع الحكم من أجلها فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً , والأصل أن تكون العلة في الأحكام الشرعية معلومة والأحكام التي هي غير معقولة المعنى والعلة خلاف الأصل كما ذكر ذلك ابن عبد البر في (التمهيد) وابن دقيق العيد في (إحكام الأحكام) فعلى هذا تعريف القياس هو:" إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما ".
من هذا التعريف يتبين أن للقياس أركانا أربعة:
الركن الأول: الأصل.
الركن الثاني: الفرع.
الركن الثالث: العلة.
الركن الرابع: الحكم, والمراد به حكم الأصل لا حكم الفرع فإنه نتيجة, ويتضح بالمثال:
ثبت عند الخمسة من حديث أبي قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة: " إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات " اختلف العلماء في الفأرة هل هي طاهرة أو نجسة؟ إذ هذا الحديث يدل على أن جميع غير مأكولات اللحم نجسة , كما ذكر ذلك الإمام الشافعي وشيخ الإسلام في (شرح العمدة) وإنما استثني من غير مأكولات اللحم الهرة لأنها من الطوافين علينا والطوافات , فإذا حاولنا معرفة حكم الفأرة يرجع إلى النظر إلى صحة قياسها على الهرة:
¥