التنبيه الرابع:الأنفع لطالب العلم حتى يصل إلى الراجح بعد تأصيله في دراسة الفقه وأصول الفقه هو أن ينظر في الكتب المطولة المعتنية بالدليل وأن يحرص في نسبة الأقوال ومعرفة الأقوال بالنظر إلى أقوال أئمة الإسلام كالإمام مالك والشافعي وأحمد والثوري والليث بن سعد وغيرهم , لا أن يشتغل بكتب الحواشي على متون المذاهب الأربعة , فترى بعضهم يشغل نفسه في بيان الراجح عند المذهب وهذا وإن كان مفيداً أحياناً , لكنه في الجملة من تقديم المفضول على الفاضل , بل من المفترض أن يشتغل بالوصول إلى مراد الله ورسوله في مسائل الدين والفقه لا إلى الراجح عند أصحاب المذاهب , ولا الاشتغال بتعليلاتهم العقلية والتي قد تكون كثيراً من باب بيان دليل صاحب المذهب وإن كان المعلِّلُ نفسه قد لا يوافق على صحة هذا التعليل.

التنبيه الخامس:ينبغي أن تتخذ المتون الفقهية على أنها فهرس لمسائل الفقه ومعنى هذا: أن يجعل المسائل التي يوردها الماتن للتذكير والتنبيه على مسائل العلم في هذا الباب , فإذا اطلع على هذه المسائل تصورها , ثم نظر في دليلها , ثم في وجه الدلالة , ثم في صحة هذا الدليل وبعد ذلك بمقتضى علم أصول الفقه وما آتى الله الإنسان من فهم لتطبيق علم أصول الفقه يتبين له رجحان هذه المسألة فيعمل بها ويدعو إليها , أو يتبين له أنها مرجوحة فلا يدعو إليها ولا يتعبد الله بها , وإنما بمعرفة أن هذه المسألة مما يسوغ الخلاف فيها يجعله يعذر مخالفه فيكون الفقيه السني وسطاً في مسائل الفقه المرجوحة في نظره , وذلك أنه لا يعمل بها وفي المقابل لا يشنع عليها وذلك لأنها مما يسوغ الخلاف فيها , علماً أن هذا هو حال أكثر المسائل الفقهية التي يوردها فقهاء المذاهب الأربعة في متونهم فهي مما يسوغ الخلاف فيه , وقد يوجد فيها ما لا يسوغ الخلاف فيه لكنه قليلٌ للغاية بالنسبة إلى ما يسوغ الخلاف فيه مما يذكره الفقهاء في متونهم.

التنبيه السادس:المسائل المختلف فيها نوعان:

النوع الأول:مسائل يسوغ الخلاف فيها , وهي التي تسمى بالمسائل الاجتهادية , وهي المسائل التي لا تصادم النص ولا تخالف الإجماع.

النوع الثاني: المسائل الخلافية , وهي التي تصادم النص من كل وجه وتخالف الإجماع.

ذكر نحواً من هذا شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه (بيان الدليل على بطلان التحليل) وابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) وابن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية)

فائدة: مصادمة النص قد يكون في كثير من أحيانه بالنسبة للمجتهد نسبياً , فإذا رأى أكثر من مجتهد مسألة معينة قد يكون عند أحدهم هذه المسألة مصادمة للنص , ويقول الآخر ليست مصادمة للنص بل النص يدل عليها , ويقول الثالث: هذا الدليل لا يدل على هذه المسألة لكن المسألة ليست مصادمة للنص , وهذا كثيرٌ في مسائل العلم , لذا الذي يضبط هذا الباب هو النظر في صنيع العلماء فإن كانوا يوردون هذه المسألة في كتب الفقه ويناقشونها تأييداً أو مخالفةً ويجعلون الخلاف فيها خلافاً معتبراً فتكون هذه المسألة من المسائل التي يسوغ الخلاف فيها.

فائدة:قد يكون في المسألة إجماع بين الصحابة وإذا نظرت في أقوال أهل العلم بعد الصحابة رأيت فيها خلافاً بل قد ترى كثيراً من كتب الفقه المعتمدة المطولة تجعل القول الذي يخالف قول الصحابي _ الذي لم يخالف _ قول الجمهور , لذا من نظر في كلام أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم فوقف على إجماع للصحابة ثم رأى أهل العلم يذكرون خلافاً في هذه المسألة فإنه يكون وسطاً , وذلك بأن يعمل بإجماع الصحابة , وفي المقابل يعذر المخالفين بأنهم لم يقفوا على هذا الإجماع فيكون إجماع الصحابة في هذه المسألة دليلاً كبقية الأدلة من كلام الله ورسوله , والدليل قد يخفى على العالم المجتهد فإذا خفي عليه ولم يعمل به وتبنى قولاً يسوغ الخلاف فيه فإنه يعذر ولا يوصف بأنه تبنى قولاً شاذاً لأنه أخذ قولاً يجعله العلماء مما يسوغ الخلاف فيه.

أمثلة على ما تقدم ذكره:

المثال الأول:أجمع الصحابة على أن تارك الصلاة كافر , حكى الإجماع جمع من أهل العلم كالمروزي وابن تيمية , وإذا نظرت في كتب الفقه وجدتهم يذكرون في المسألة خلافاً , بل وجدت كثيراً من أهل العلم ينسبون القول بعدم كفر تارك الصلاة إلى جماهير أهل العلم.

المثال الثاني:اختلف العلماء: هل يشترط في استقبال القبلة استقبال عينها أم يكفي جهتها؟ وهذا الخلاف معتبر في كتب الفقه وقد ذكر شيخ الاسلام كما في (شرح العمدة) وابن رجب كما في (فتح الباري) أنه لا خلاف بين الصحابة في أن الذي يشترط هو استقبال جهة القبلة لا عينها.

تنبيه: سبب عدم الاحتجاج بالإجماع القديم عند من لم يأخذ به من أهل العلم في بعض المسائل يرجع في الغالب إلى أمرين:

الأمر الأول:أنه لم يعلم بهذا الإجماع فيكون مما خفي عليه كما يخفى على كثير من أهل العلم أدلة السنة في كثير من المسائل وهذا يتضح بالنظر في كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لشيخ الإسلام ابن تيمية.

الأمر الثاني: أنه قد تروى آثار عن الصحابة يظن بعضهم صحتها ولو صحَّت لثبت أن بينهم خلافاً لكنها لا تصح فعليه يبقى إجماع الصحابة صحيحاً كمثل مسألة كفر تارك الصلاة , روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ما يدل على أن تاركها لا يكفر , لكن هذا لا يصح عنه , فعليه يكون الإجماع بين الصحابة صحيحاً في كفر تارك الصلاة.

يتبع - إن شاء الله-

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015