ـ[أبو ناصر المدني]ــــــــ[02 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 02:39]ـ

المقدمة السابعة

عند دراسة طالب العلم للمسائل الفقهية لا بد وأن يراعي أموراً:

الأمر الأول: فهمُ المسألة وتصورها , وهذا مهم للغاية فإنه على ما يقول علماء أصول الفقه: " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " فإن تصور المسألة معين لإدراك الترجيح في هذه المسألة , مع التنبه إلى أن تصور كثير من المسائل هو بالنظر في كتب الفقه المطولة وبالنظر في أكثر من كتاب مطول , فإن كلام العلماء في هذه الكتب يفسر بعضه بعضا ً , ولا بد أن يكون القارئ لكلام الفقهاء دقيقاً فإن عباراتهم دقيقة , فإذا قالوا: يجوز فإنهم يعنون ما يقولون , وإذا قالوا: يستحب فإنهم يعنون ما يقولون , وهذه من مزايا كتب المذاهب الأربعة فإن أصحابها اعتنوا بها وكثرت كتبهم فإذا عبر أحدهم بلفظة: " يجوز " بدل لفظ " يستحب " فإنهم يبينون ذلك ويتعقبونه.

الأمر الثاني:معرفة الدليل على هذه المسألة , وهذا أيضاً من أهم المهمات إذ ما لا دليل عليه ليس معتبراً , والكتب المطولة تعتني بذكر الأدلة لا سيما من أصحاب كل مذهب ويذكرون التعليل لكن عنايتهم بالدليل أكثر , أما كتب الحواشي على هذه المتون الفقهية فإنها كثيرة الاعتناء بالتعليل , ولا شك أن الاعتناء بالدليل أفضل لأن التعليل أمر مستنبط فهو اجتهادي , وكثيراً ما يلجأ إليه صاحب المذهب لنصرة مذهبه.

الأمر الثالث: وجه الدلالة من الدليل , والمراد بذلك معرفة منزع الاستدلال بهذا الدليل , وهذا مفيد حتى إذا وقفت على وجه الدلالة استطعت إذا كنت ذا آلة واجتهاد أن توافق أو تخالف.

الأمر الرابع:معرفة صحة ثبوت هذا الدليل سواء كان حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أثراً أو إجماعاً أو قياساً , وإذا لم يثبت الدليل من السنة النبوية أو الأثر بأن كان ضعيفاً فإنه لا يحتج به , وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنه لا يحتج بالحديث الضعيف.

مع التنبه إلى أن التصحيح والتضعيف أمر نسبي في كثير منه , فقد اختلف العلماء في كثير من الأحاديث ما بين تصحيح وتضعيف؟ فعليه من كان ذا آلة اجتهاد في التصحيح والتضعيف فليدرس الحديث والأثر ومن لم يكن كذلك فليقلد من يثق به.

_ ومن القصور أن يشتغل الطالب في أول طلبه للعلم بالتصحيح والتضعيف فهو وإن كان مهماً إلا أن الاشتغال به في بداية طلب العلم من تقديم المفضول على الفاضل.

ففي أول طلبه للعلم يشتغل بالتوحيد وتعلمه ويدرس الفقه وأصول الفقه سواء , ثم يدرس مصطلح الحديث وكيف يصحح الحديث أو يضعفه فإنه كما قال الإمام الشافعي: " من نظر في الحديث قويت حجته ".

تنبيهات:

التنبيه الأول: ليس الحق محصوراً في أئمة المذاهب الأربعة بالإجماع كما حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى , فضلا أن ينحصر الحق في أحد هذه المذاهب الأربعة.

التنبيه الثاني:اعتني بأقوال أئمة المذاهب الأربعة ما لم يعتن بأقوال غيرهم من الأئمة في باب الفقه ومن ههنا يكون لها مزية بالنسبة لنا لأن هناك فرقاً بين قول إمام اعتنى به أصحابه وبينوا مراد بأن جمعوا بين أقواله , وبين إمام لم يعتن به , فإن الصنف الأول أي المعتنى به تقل الشواذ عنده لأن أصحابه يجمعون أقواله ويبينون المراد منها حتى لا ينسب قول شاذ إليه , ولابن رجب رسالة في هذا الصدد.

التنبيه الثالث:فرقٌ بين قول أئمة المذاهب الأربعة وقول أصحابهم في المذاهب الأربعة , فقد يكون المذهب الحنبلي أو الشافعي مثلاً على قول , ويكون قول إمامهم مخالفاً لما قرروه في المذهب فلا يلزم من كون المذهب قرر حكماً أن يكون هذا قول إمام المذهب , على أن بعض أصحاب المذهب قد ينسب قولاً إلى الإمام أحمد أو الشافعي أو مالك وهذا القول ليس مما نص عليه وإنما استنبطوه من بقية أقواله , وبعبارة أخرى خرَّجوا هذا القول بالنظر إلى بقية أقواله ثم ينسبونه سواء هم أو من بعدهم إلى هذا الإمام , وكم نُسِبت من رواية إلى الإمام أحمد وهي في الأصل خُرِّجت من كلامه وأقواله , وهذا خطأ كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهما الله تعالى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015