الفائدة الثانية:أن ما أُحدث من مدارس وقاعات , وعند الأولين من الرباط لتعلم العلم ليس من البدع , ومن ذلك ذكر الشروط والأركان والواجبات والمستحبات في مسائل الفقه , ومن ذلك تقسيم كتب الفقه إلى أبواب وفصول بل وتدوين العلم وكتابته سواء كان من كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان أو مسائل الفقه.
والسبب في عدم كون هذه من البدع أنه يشترط في الحكم على وسيلة بأنها بدعة أمران:
الأمر الأول:أن يكون المقتضي موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثاني:أن لا يكون هناك مانع يمنع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من اتخاذ هذه الوسيلة.
فإذا اجتمع هذان الأمران فإن اتخاذ هذه الوسيلة التي لم يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه يكون من الوسائل البدعية , وإذا اختل أحد هذين الأمرين فلا تكون هذه الوسيلة بدعة. قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) و (القواعد النورانية) ومواضع من (مجموع الفتاوى).
إذا تبين هذا فإن ما سبق ذكره مما زيد في العلم ليس بدعة لأن مقتضي هذا الفعل لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لسببين:
السبب الأول:كثرة العلم.
السبب الثاني:ضعف المدارك. وقد نص على ضعف مداركنا من جهة الحفظ الإمام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) والشاطبي في كتابه (الموافقات)
المقدمة الخامسة
طلب علم الفقه عن طريق المتون الفقهية أنفع بكثير من طلب علم الفقه عن طريق أحاديث الأحكام وليس هذا لأن كلام الرجال أجل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم - والعياذ بالله - وإنما لأسباب:
السبب الأول:أن كتب أحاديث الأحكام ذكرت نوعاً واحداً من الأدلة وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم , فليس فيها ذكرٌ لدليل القران ولا الإجماع ولا القياس الصحيح ولا قول الصاحب إلخ , بخلاف المتون الفقهية فإنها ذكرت عدة مسائل وأحكام من دليل القران والسنة والإجماع والقياس الصحيح إلخ , فهي أشمل في ذكر المسائل مع التنبيه إلى أن الماتن قد يذكر قولاً مرجوحاً لظنه أنه راجح كما أن الناظر في الحديث قد يفهم فهماً مرجوحاً لظنه أنه الراجح.
السبب الثاني:أن المتون الفقهية تذكر المسائل مرتبة , فتجمع المسائل المتعلقة بالمياه في باب المياه , وكذا المسائل المتعلقة بالزكاة في كتاب الزكاة وهكذا , أما أحاديث الأحكام فإنها ليست كذلك , فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عند الأربعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:" هو الطهور ماؤه الحل ميتته " هذا الحديث فيه ذكر لأحكام مياه البحر وأحكام صيد البحر فإن هذا الحديث ذكر الأحكام المتعلقة بالمياه والأحكام المتعلقة بباب الصيد والذبائح , لذا من درس الفقه على طريقة أحاديث الأحكام فإن المسائل لا تكون مرتبة ولا واضحة كمن يدرسها على طريقة المتون الفقهية.
السبب الثالث:أن المتون الفقهية أجمع لمسائل العلم من أحاديث الأحكام من جهة أنها تذكر مسائل كثيرة , وذلك لأن أدلة المتون الفقهية متنوعة ولأن فيها ذكراً لما أفتى به العلماء في النوازل في زمانهم.
السبب الرابع:أن المتون الفقيهة أدق في بيان الحكم المراد , فيعبرون بقولهم يجوز وله معنى عندهم , ويقولون يستحب , وله معنى عندهم , وهكذا , بخلاف المتون الحديثية , فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحكم وأهل العلم يتفقهون في هذا الدليل وفي غيره من الأدلة , لذا العمل مباشرة بما ظهر من الدليل دون النظر في الأدلة الأخرى وفهم السلف لهذا الدليل هذا خطأ.
السبب الخامس:أن المتون الفقهية مرتبة في ذكر الشروط والواجبات والمستحبات , ففي الوضوء مثلاً ذكروا فروضه ثم المستحبات , وهذا الترتيب لا يوجد في أحاديث الأحكام.
تنبيهان:
التنبيه الأول:كثيرٌ من الناس في دراسة المتون الفقهية على طرفي نقيض:
الطرف الأول:غالٍ فيها , وهو المتعصب لها ويتكلف تأويل الأدلة لتوافق ما ذكر الماتن وهذا خطأ كبير وهو سبب للفتنة والهلاك.
الطرف الثاني:وهم الجافون عن المتون الفقهية والمزهدون فيها والمعيبون لدراستها وهذا خطأ على ما تقدم ذكره , وكثيراً ما يشنع هؤلاء على الرجل إذا انتسب إلى مذهب كأن يقول: أنا حنفي , أو مالكي , أو شافعي , أو حنبلي , والتشنيع على الإطلاق لا يصح وذلك أن من انتسب إلى مذهب:
_ من غير تعصب له.
_ ولحاجة دعت إلى ذلك.
بهذين القيدين فإنه لا يشنع عليه لأن هذا من باب الإخبار كما يخبر الرجل أنه من القبيلة الفلانية أو الأرض الفلانية , وقد أفاد معنى هذا الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ونحن في هذا الزمن – والحمد لله – لا نحتاج للانتساب إلى أحد هذه المذاهب الأربعة إلا عند مواجهة طوائف من أهل البدع يريدون التشنيع علينا بأننا أتينا بمذهب جديد فنبين أننا تفقهنا على أحد هذه المذاهب الأربعة تأليفاً للهم وللناس , وهذا ما فعله الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
التنبيه الثاني:لا يصح الإفتاء والتعبد بما ذكرته المتون الفقهية , بخلاف أخذ فتوى العالم الموثوق سواءً كان حياً أو ميتاً , وذلك لأن أصحاب المتون الفقهية يكتبون ما هو راجح في مذهبهم بحسب ما يظهر لهم من أقوال أصحاب المذهب وإن كان قد يتعبد الله بخلاف ما كتب أما العالم الموثوق فإنه يذكر ما يراه راجحاً ومراداً لله ورسوله.
يتبع إن شاء الله.
¥