الأمر الأول:أن مقتضى هذا الدليل أن المقلد في هذه المسائل يكون كافراً لا آثماً وهذا خلاف ما قرره من أنه يكون آثماً لا كافراً.

الأمر الثاني:أن سبب الإجابة في القبر في هذه المسائل الثلاث ليس العلم أو عدمه ولا إدراك الدليل أو عدمه

وإنما توفيق الله له بسبب إيمانه وإسلامه , لذا لو أن كافراً حفظ الأدلة قبل أن يموت لم يستطع الإجابة.

التنبيه الثاني:الاجتهاد لا يحدد بزمن لأن الشريعة دعت إليه ولم تحدد له زمناً فمن زعم أنه انغلق باب الاجتهاد في قرن كذا , أوفي قرن كذا فقد قال ما ليس له به علم وادعى ما لا دليل عليه , ثم إن لازم هذا الدور وذلك أن أول من قال بإغلاق باب الاجتهاد قوله هذا اجتهاد فهو اجتهد بأن حكم بأن الاجتهاد انغلق بابه وانتهى زمانه فعلى هذا اجتهد وليس أهلاً للاجتهاد.

_ ثم إن الاجتهاد يتجزأ وهذا هو قول المحققين من علماء الأصول ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فقد يكون الرجل مجتهداً في مسائل دون مسائل وأبواب دون أبواب والشرط لكل مجتهد أن تكون عنده آلة اجتهاد وهو أصول الفقه.

المقدمة الخامسة:

العلم مر بمراحل , كان في السابق كتاباً وسنة وبعد وقت الصحابة صار كتاباً وسنة مع أقوال الصحابة , وبعد وقت التابعين صار كتاباً وسنة وأقوال الصحابة والتابعين , فهو في ازدياد وكل ازدياد للعلم تصعيب للعلم , وهذا الازدياد من حيث الجملة نوعان:

النوع الأول: علوم آلة ووسائل لإدراك العلم , كعلم اللغة , وأصول الفقه , ومصطلح الحديث , ثم مع مرور الأيام أُدخِل في علم أصول الفقه ومصطلح الحديث ما ليس منه لا سيما علم أصول الفقه , فقد كثُرت فيه المباحث الكلامية.

النوع الثاني:أقوال لأهل العلم , إذ الحق والصواب واحد , وكل ما زاد على هذا القول الواحد فهو مما أُدخِل في العلم , وسبب زيادة الأقوال أن العلماء يتفاوتون في مداركهم , وأنه كلما بعُد عن نور النبوة وعصر النبوة قلّ هذا النور فيلتبس الحق , فيقول العالم قولاً خلاف الحق , وهذا معنى القول المأثور عن علي رضي الله عنه: " العلم نقطة كثرها الجاهلون ".

وفي مقابل هذا كله ضعفت المدارك من الحفظ والفهم , فقد كان العرب الأوائل أهل حفظ وأهل فهم , هذا بطبيعتهم كيف وقد ازداد في حق الصحابة والتابعين الهداية بنور الوحي فسهل الله عليهم تسهيلاً شرعياً لإدراك العلم الشرعي.

ويستفاد من هذا عدة فوائد:

الفائدة الأولى:أن العلم قد مر بمراحل.

_ منها أنه لم يكن العلم إلا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم , ثم ازداد فانضاف إليه كلام الصحابة , ثم ازداد فانضاف إليه كلام التابعين , ثم ازداد فانضاف إليه كلام أتباع التابعين , ثم ازداد فدونت المسائل وهو أن يُسأل العالم فيجيب فكثرت هذه المسائل فصعبت الإحاطة بها فاختُصرت هذه المسائل إلى أن وصل العلم في باب الفقه إلى متون مختصرة.

وفي باب العقائد ازداد الكلام في مسائل العقائد بسبب المخالفين , فكلما بعُد الزمان والعهد عن الزمن الأول كثرت البدع واشتدت فاحتاج العلماء للرد على هذه البدع وتأصيل قول أهل السنة في بيان خطأها , بالإضافة إلى أنه قد يزِل عالم سنة في باب الاعتقاد فيجتهد العلماء في بيان خطأه حتى لا يتبع , وقد يكون له أتباع فيكثر الرد عليهم , فعليه اتسع كلام أهل العلم في باب الاعتقاد فدونت كتب السنة وهي التي تجمع كلام أئمة السلف في مسائل الاعتقاد إلى أن دونت هذه المتون المختصرة كلمعة (الاعتقاد) , (والواسطية).

فعلى هذا إذا أراد طالب علم أن يدرس العلم سواء في باب الاعتقاد أو الفقه أو غيرهما فعليه أن يعرف مراحل وصول العلم إلينا فيسلك الجادة التي سلكها العلماء بأن يدرس المتون الفقهية بدليلها ثم يترقى إلى أن يجتهد فينظر في الأقوال وفي الأدلة , ومن طالبَ طلاب العلم بأن يتركوا دراسة هذه المتون سواء في باب الاعتقاد أو الفقه فقد أضر بهم وذلك لأمرين:

الأمر الأول: أنه لم يراع كثرة العلم عن ما كان عليه.

الأمر الثاني: أنه لم يراع ضعف مدارك الناس وأنها ضعفت عن ما كان عليه الأولون , لذا كثيرٌ ممن يخالفون جادة أهل العلم المسلوكة في دراسة العلم ضعُف في تحصيل العلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015