الأمر الخامس:جعلهم الأصل في الشروط في باب المعاملات هو الحظر فعليه لا يقبلون شرطاً في باب المعاملات كالبيوع إلا بشرط منصوص في الشرع وإلا جعلوه شرطاً ملغياً وهذا خلاف ما عليه الأمة قبلهم من أن قاعدة المعاملات هي: " أن كل شرط ومعاملة هي على الحل ولا يمنع شيء من ذلك إلا إذا خالف النص " أي جاء النص بإلغائه أو منعه , ذكر هذا الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين).
الأمر السادس:توسعهم في العموم , فالعموم حجة بالإجماع وليس المذموم الاحتجاج بالعموم وإنما المذموم هو التوسع في الاحتجاج بالعموم فيقدمون العموم على السنة التركية وهو ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابته من العبادات مع توفر الدواعي وانتفاء الموانع.
لهذه الأسباب والأمور الستة صار مذهب الظاهرية مذهباً مذموماً في باب الفقه , ومما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الخامس من (منهاج السنة): " كل قول تفردت به الظاهرية فهو خطأ " وذلك أنهم إذا انفردوا بقول فقد صار قولهم قولاً محدثاً لأن الظاهرية متأخرون , وقد أشار إلى هذا الوجه ابن رجب في (شرحه على البخاري ".
المقدمة الرابعة
التقليد: وهو أخذ قول العالم من غير معرفة لدليله.
وهو في الأصل مذموم إذ الأصل أننا مطالبون باتباعالدليل لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} , وقوله: {ماذا أجبتم المرسلين}.
والناس في هذا الباب على طرفي نقيض, هذا من حيث الجملة:
_ فطائفة حرمت التقليد مطلقاً.
_ وطائفة أوجبته حتى أغلقت باب الاجتهاد.
فالطائفة الأولى هم الظاهرية ومن تأثر بهم.
والطائفة الثانية هم متعصبة المذاهب.
_ والوسط الذي عليه أئمة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أن حكم التقليد يختلف باختلاف الناس:
_ فتارة يحرم , وهذا هو الأصل.
_ وتارة يجوز.
_ وتارة يجب.
أما الصورة التي يجب فيها فهو في حق العامي الذي لا يستطيع إدراك الدليل ووجه الدلالة قال الله فيهم: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.
أما الصورةالتي يحرم فيها التقليد فهو لمن استطاع معرفة الدليل وبانت له الحجة فليس له أن يدع البرهان والدليل لقول أحد كائناً من كان وهذا بإجماع أهل العلم , قال الشافعي:" أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان "
أما الصورةالتي يجوز فيها التقليد فهو لمن كان عنده آلة اجتهاد ولكن ضاق عليه الوقت ولم يتيسر له النظر في المسألة فإنَّ له أن يقلد فيها , هذا ملخص ما قرره ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) وابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين).
تنبيهان:
التنبيه الأول:الناس من حيث الجملة مع النص والدليل أقسام ثلاثة:
القسم الأول:أهل الاجتهاد وهم الذين ينظرون في الأدلة ويرجحون بقواعد أهل العلم وعندهم آلة الاجتهاد , وهذا القسم هو أعلى هذه الأقسام وأفضلها , قال تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.
القسم الثاني:أهل الإتباع وهم الذين يأخذون بقول العالم مع معرفة دليله من غير نظر وترجيح بين الأدلة.
القسم الثالث:هم أهل التقليد وهم الذين يأخذون قول العالم الذي يثقون به من غير نظر في دليله , وهذا القسم الثالث ليس عالماً بالإجماع كما قاله الإمام ابن عبد البر , ولو عرف جميع أحكام الشرع.
فائدة:لا فرق في التقليد بين المسائل الفقهية والمسائل العقدية والذين فرقوا بينهما هم المتكلمون لا سيما الأشاعرة الذين حرَّموا التقليد في باب الاعتقاد بل منهم من كفَّر المقلد في بعض مسائل الاعتقاد , والصواب أنه لا فرق بينهما وأن الشريعة واحدة في باب الاعتقاد والفقه , وهذا ما قرره ابن تيمية في كتابه (النبوات).
_ وأخطأ بعض أهل السنة وظن حرمة الاعتقاد بغير دليل في مسائل أصول التوحيد , واستدل بأن الكافر يقول في قبره إذا سئل عن ربه ونبيه وفي رواية المنافق يقول: " هاه هاه سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " قال: فدل هذا على وجوب معرفة الدليل في أصول مسائل التوحيد وأن التقليد فيها محرم , وهذا الذي قرره خطأ مخالف لما عليه أهل السنة وما ظنه دليلاً لا دلالة فيه , وذلك لما يلي:
¥