فائدة:-من اعتبار فهم السلف اعتبار أقوال وأفهام التابعين فإنه إذا كان أرفع ما في الباب قول التابعين , ُقدِّم قولهم واحتُجَّ به , ويدل على هذا صنيع الإمام أحمد في الفقه في مسائل كثيرة , وقد قال الإمام الشافعي: " قلت في هذه المسألة تقليداً لعطاء " , ونسب الإمام ابن القيم هذا القول _ أي الاحتجاج بفهم التابعين في تفسير القران _ إلى الإمام الشافعي والإمام أحمد , والقول بحجية قول التابعين إذا لم يُعلم بينهم خلاف قول صحيح وذلك أن كل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على هذا , وأيضاً كل دليل يدل على عدم إحداث قول جديد يدل على هذا , وذلك أن من أراد أن يخالف قول التابعين في مسألة فقهية أو غيرها من مسائل الدين يطالب بالسلف أي بسلفه فيما اختاره من قول مخالف لهذا التابعي فإنه إن لم يُثبِت ذلك وقع في قول محدث , ومما يدل على عدم جواز الإحداث في الدين هو كل دليل يدل على حجية الإجماع , وكذا كل دليل يدل على حرمة الإحداث في الدين , وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على عدم جواز الإحداث في الدين بما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ".
أمثلة:-
المثال الأول: ذهب الإمام مجاهد بن جبر رحمه الله إلى أن تفسير قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}. قال: المقام المحمود هو: إقعاد الله نبيه صلى الله عليه وسلم معه على العرش. وقد صحح هذا الأثر الإمام ابن تيمية كما في كتاب (درء تعارض العقل والنقل) , والذهبي في كتاب (العرش) بل قالوا: هو ثابت عن مجاهد بلا شك.
وصنيع الأئمة يدل على تصحيحهم لهذا الأثر كالإمام أحمد وابنه عبد الله وغيرهما.
ومجاهد ليس له مخالف من التابعين ولا من بعدهم من أئمة السنة الأولين, كما حكى الإجماع جمع من الأولين من أئمة السنة فعليه يكون قول مجاهد حجة.
تنبيه:تفسير مجاهد المقام المحمود بإقعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ربه على العرش لا ينافي تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود بالشفاعة إذ هو يشفع ويقعد على العرش فيقعد على العرش ثم يشفع صلى الله عليه وسلم كما يستفاد من كلام ابن جرير أنه لا تنافي بينهما , ومن كلام الشيخ محمد بن إبراهيم في " فتاواه ".
المثال الثاني: دلت السنة على اشتراط الموالاة في الوضوء كما ثبت عند الإمام أحمد وأبي داود من حديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يعيد الوضوء والصلاة "
تنازع العلماء في مقدار هذه الموالاة:
_ منهم من قال إنها تقدر بالعرف.
_ ومنهم من قال إنها تقدر بمقدار " أن لا يجف العضو الذي قبله " وهو الصواب لأنه قول قتادة –رحمه الله-.
مسألة:ضعُفَ في هذا الباب الذي هو فهم الصحابة والسلف طائفتان:
الطائفة الأولى: أهل الرأي واشتهر هذا الإطلاق على حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وعلى الحنفية عموماً , وضعْفُ أهل الرأي في هذا الباب بسبب جهلهم بالآثار فتوسعوا في القول بالرأي.
والرأي قسمان:
القسم الأول:رأي مذموم , وهو الرأي المخالف للدليل من الكتاب والسنة أو فهم السلف ... الخ
القسم الثاني:الرأي المحمود وهو الرأي الذي يؤيد الشرع من الكتاب والسنة أو الرأي الذي يقال في النوازل والمسائل التي ليس فيها دليل منصوص من الكتاب والسنة أو غيرها من الأدلة , هذا ملخص ما أفاده ابن تيمية في كتابه (بيان الدليل في بطلان التحليل).
الطائفة الثانية:وهم أهل الظاهر وإمام هذا المدرسة: داود بن علي الظاهري , وأكثر وأقوى من أشهرها ابن حزم لا سيما في كتابه (المحلى) وكتابه (أصول الأحكام) , وهذه المدرسة شدد السلف التحذير منها في الفقه ثم في الاعتقاد على داود وابن حزم , إلا أن خطأهم في الاعتقاد لا تمثله المدرسة الظاهرية فهو أخطاء أفراد وأساس أخطائها هو في باب الفقه , والسلف حذروا من الظاهرية في هذا الباب كما حذروا من أصحاب الرأي المذموم.
_ وتحذير السلف منهم يرجع إلى أمور:
¥