_ مسألة:-إن لدليل الإجماع مزية على بقية الأدلة وهذه المزية أنه لا يكون إلا " قطعي الدلالة " ونصَّ على ذلك الغزالي في (المستصفى) , لذلك مسائل الاعتقاد التي لم يختلف فيها أهل السنة قطعية في دلالتها ومن ها هنا لم يسُغ الخلاف فيها.
_ مسألة:-ما من إجماع إلا وهو مستند إلى نص ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شاذة كما قاله الآمدي , لكن لا يشترط في الاحتجاج بالإجماع أن يعرف مستنده وإنما يكفي ثبوت الإجماع فإن عرفنا مستنده كان أكمل.
_ مسألة: -أول من خالف في حجية الإجماع هو النظام المعتزلي وتبعه من تبعه , كما أفاده ابن قدامة في (روضة الناظر) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) , وقد أخطأ خطأً كبيراً من ظن أن الإمام أحمد إمام أهل السنة لا يرى حجية الإجماع وذلك أنه رحمه الله تعالى قد حكى الإجماع في مسائل كثيرة:
_ كما حكى الإجماع على أن الدم نجس.
_ وحكى الإجماع على أن أطفال المؤمنين في الجنة.
_ وحكى الإجماع على أن الميت ينتفع ببعض أعمال الحي.
_ وحكى الإجماع على أن الاعتكاف سنة. الخ
فإن قيل على ماذا توجه كلمة الإمام أحمد لما قال: " من ادعى الإجماع فهو كاذب " فيقال: أحسن ما يحمل عليه , ما ذكره بعض الحنابلة من أن هذا محمول على من ليس أهلاً لحكاية الإجماع فتعجَّلَ وحكى الإجماع , وهذا ظاهر كلام ابن القيم في (أعلام الموقعين) وهو أحد توجيهات أبي يعلى في كتاب (العدة).
المقدمة الثالثة
مذهب الصحابي حجة وكل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على حجية مذهب الصحابي إذ القول بحجية مذهب الصحابي مشروط بشرطين: -
الشرط الأول:-أن لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة.
الشرط الثاني:-أن لا يخالفه صحابي آخر.
وهذان الشرطان مجمع عليهما.
فإذا لم يخالف الصحابي صحابياً آخر فإن قوله يكون حجة لأنه صورة من صور الإجماع , وقد ذكر الإمام ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) ستة وأربعين دليلاً على حجية قول الصحابي.
_ مسألة: -كثيراً ما يشكل هل هذا القول مخالف للنص أم ليس مخالفاً له وإنما من باب بيان النص كتخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل.
والضابط في التفريق بين المخالفة التي ليست من باب البيان والمخالفة والتي هي من باب بيان النص وتفسيره هو: أن ينظر هل خالف هذا الصحابي صحابي آخر أو لا؟
فإن لم يخالفه صحابي آخر فهذا من باب تفسير النص وبيانه , كأن يكون تخصيصاً لعام أو تقييداً لمطلق أو تبييناً لمجمل أفاد هذا الضابط ابن القيم – رحمه الله – في كتابه (أعلام الموقعين) واستدل على هذا الضابط بقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} , وجه الدلالة: أنه لو كان قول الصحابي مخالفاً للنص من كل وجه لكان تعبداً لله بخلاف ما يريد الله وهذا منكر من هذا الوجه فلابد أن يوجد من ينكر عليه من الصحابة ومحال أن يُنقل القول المنكر دون القول المعروف.
أمثلة:-
وعلى هذا التأصيل أمثلة كثيرة:-
المثال الأول: -ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من مات وعليه صيام , صام عنه وليه " وثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه خصصه بصيام النذر وعموم النص يقتضي أن يكون لكل صيام , لكن لمّا أفتى ابن عباس بأنه في صيام النذر صار خاصاً به وهذا من تخصيص الصحابي للنص العام.
المثال الثاني: -قال الله عز وجل: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} , ظاهر هذه الآية أنه يقضي فقط من غير إطعام لو أخَّر القضاء إلى رمضان الذي بعده , وقد ذهب جمع منالصحابة إلى أنه إذا أخره إلى رمضان الذي بعده فإنه يطعم , ثبت هذا عن أبي هريرة وغيره.
المثال الثالث: -ظاهر الآية السابقة أنه لا يفرق بين المفرِّط ولا غير المفرِّط فمن أخَّر القضاء إلى رمضان الآخر , وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه فرَّق بينهما , وفي كلا هذين المثالين أي الثاني والثالث قول الصحابي خصص العام.
المثال الرابع: -استحبت الشريعة صيام التطوع كيوم الاثنين والخميس ويوم عاشوراء وعرفة , وظاهر النصوص لم تشترط أن لا يكون بقي عليه شيء من الفرض , وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه كما عند عبد الرزاق أنه قال: " إبدأ بما فرض الله " , فعليه لا يصح أن يصوم نفلاً وعليه فرض لم يقضِه.
¥