ـ[عبد الكريم بن عبد الرحمن]ــــــــ[27 - Mar-2010, مساء 09:12]ـ
النقطة الثالثة: عدم حمل المطلق على المقيد لا يعني نفي تقييد المطلق بأدلة أخرى
قال الجمهور في حالة اختلاف الحكم بعدم حمل المطلق على المقيد , لابد أن تفهم هذه العبارة جيدا فالذي يقصده الأصوليون هو عدم تطبيق قاعدة المطلق و المقيد لا عدم التقييد مطلقا مثال ذلك التيمم و السرقة ففي هذه الحالة اختلف السبب و اختلف الحكم لكن عند النظر في الحكم الفقهي نجد في التيمم مسح الكفين و في السرقة قطع اليد إلى الكوعين فقيد الفقهاء القطع في السرقة إلى الكوعين لكن ليس بقاعدة المطلق و المقيد و إنما بأدلة أخرى.
فإختلاف الحكم لا يعني بالضرورة عدم التقييد بنص آخر و للإنتباه لحساسة هذه المسألة نأخد مثال الإسبال فالكثير ممن يدرس هذه المسألة يجد قولا لبعض الفقهاء باختلاف الحكم و على ذلك لا يحمل المطلق على المقيد فيجعل ذلك دليلا على وجود اسبالين احدهما مقيد و الآخر مطلق و لكل منهما حكمه.
في الحقيقة هذه القاعدة لا تعتبر دليلا في هذه المسألة فغاية ما يمكن قوله ان سلمنا بإختلاف الحكمين أن القاعدة لا تطبق لكن لا يعني ذلك أن لا يقيد المطلق بدليل آخر و من الأدلة التي تقيد المطلق قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" فالقاعدة أن الحكم يدور مع علته و العلة منطوقة في الحديث فتقيد الأحاديث المطلقة في الإسبال بهذا الحديث.
النقطة الرابعة: دور المفهوم في المقيد و المطلق
لابد من التفريق بين القيد في الحكم و القيد في السبب فإن كان هناك شبه اتفاق بين الفقهاء ما عدا الأحناف في تقييد المطلق عند اتحاد الحكم فالأمر يختلف عند وجود القيد في السبب و ذلك أن القيد في السبب يترتب عنه مفهوم دلالته اخراج الأفراد الغير داخلة في القيد خارج الحكم، هذه الدلالة منعدمة في قيود الحكم.
لتوضيح ذلك نزجع للمثال السابق في الإسبال:
يكون التقييد بإعمال مفهوم المخالفة فذكر قيد الخيلاء معتبر لكونه منطوقا و مثل هذا المفهوم يظهر جليا في حديث بن عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأذني هاتين ـ يقول: "من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة". رواه مسلم.
قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد؛ إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال.
اذن في حالة وجود القيد في السبب يلعب مفهوم النص دورا مهما في تقييد المطلق، يلاحظ ذلك في اختلاف الفقهاء في مثل هذه النصوص
المثال الثاني: حديث "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه" و حديث "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول" فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذاهب:
فمنهم من جعله من باب الخاص و العام و منهم من جعله من باب المطلق و المقيد ثم اختلفوا كذلك في القيد هل هو معتبر أم غير معتبر و سبب الاختلاف مفهوم النص فمن غلب دليل الخطاب حمل المطلق على المقيد أو خصص العام و من جعل القيد خرج مخرج الغالب إما جعله من باب التنصيص أو جعله من باب قياس الأولى فلم يقيد المطلق.
وتفصيل ذلك أن حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول مفهوم المخالفة فيه يجوز لأحدكم أن يمسك ذكره بيمينه في حالة غير البول فعلى هذا يخصص حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه بمفهوم الحديث الآخر و هكذا يحمل المطلق على المقيد لمن جعله من باب المطلق لكن من قال من الفقهاء بعدم التقييد أو التخصيص قال ذلك لأنه إذا نهي عن مسه باليمين حال البول، فالنهي عن مسه في غير حال البول من باب أولى، فإذا نهي في الحال التي يحتاج فيها إلى مسه فالنهي في غيرها أولى و خلاصة قولهم أن القيد خرج مخرج الغالب أو أن الحديث من باب التنصيص أو استخدموا مفهوم الموافقة فرد الآخرون بقولهم أن النهي وارد على ما إذا كان يبول فقط لأنه ربما تتلوث يده بالبول و هذا بإعتبار المسك معقول المعنى و الحكم يدور مع علته إلا أن هذه علة مستنبطة، وإذا كان لا يبول فإن هذا العضو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو بضعة منك) عندما سُئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة هل عليه وضوء؟ وإذا كان بضعة مني فلا فرق أن أمسه بيدي اليمنى أو اليسرى.
¥