ـ[عبد الكريم بن عبد الرحمن]ــــــــ[27 - Mar-2010, مساء 09:10]ـ
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
أصل هذه المشاركة، مشاركة كتبتها في ملتقى المذاهب الفقهية فأحببت نقلها للألوكة للمدارسة:
النقطة الأولى: أحوال المطلق و المقيد عند الفقهاء:
الذي نجده في أغلب كتب الأصول هو تقسيم أحوال المطلق و المقيد إلى أربعة أقسام لكن أفضل أن أقسمها لستة أقسام (إذا لم نتطرق للنهي و النفي) لتوضيح الخلاف في الجانب التطبيقي في هذه القاعدة.
1 - اختلاف السبب و اختلاف الحكم: في هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد
2 - اختلاف السبب و اتحاد الحكم: يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور بخلاف الأحناف
3 - اتحاد السبب و اختلاف الحكم: لا يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور و خالف الشافعي في ذلك
4 - اتحاد السبب و اتحاد الحكم و هذه تنقسم إلى قسمين:
1.4 - قيد في الحكم فيحمل المطلق على المقيد عند الجميع
2.4 - قيد في السبب، يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور (و القاعدة ليست مطردة عند التطبيق لدى الفقهاء) و خالف ابن حزم فحمل المقيد على المطلق
لمعرفة سبب اختلاف الفقهاء في هذه القاعدة لابد من شرح سبب التقييد:
النقطة الثانية: سبب التقييد
اختلفت المذاهب في سبب تقييد المطلق فذهب الشافعي إلى أن حمل المطلق على المقيد من باب القياس لذلك قيد المطلق عند اختلاف الحكم قياسا و خالف الجمهور فجعلوه من باب اللفظ و اللغة و العمل بالدليلين فإذا كان القيد في الحكم فالعمل بالحكم المقيد يقتضي العمل بالحكم المطلق (أنظر الإحكام للآمدي ص 690) أما اذا كان القيد في السبب فالجمع بين النصين ممكن بحمل المطلق على بعض أفراده و لفهم ذلك لابد من ذكر الفرق بين المطلق و العام:
العام لفظ يشمل جميع أفراده، اي من شرط العام الاستغراق بعكس المطلق فهو لفظ يصح إطلاقه على جميع افراد جنسه لكن إن إطلق على بعض افراد الجنس لم يصح إشتراك البعض الاخر معه في نفس اللفظ المقصود.
مثال ذلك إذا قال قائل لا تضرب الطفل فلفظ الطفل لفظ مطلق يصح إطلاقه على جميع الأطفال إلا انه ان اطلق على طفل بعينه فلا يصح إطلاقه على غيره فإن كان قصد القائل لا تضرب الطفل هو ضرب طفل بعينه فهذا اللفظ لا يمكن حمله على طفل آخر فمتى وُجِّه معنى اللفظ في المطلق لم يجز أن يشمل غيره معه.
و لو قال قائل لا تضرب طفلا فهم منه دخول جميع الاطفال في اللفظ لأنها نكرة بعد نهي فهي تفيد العموم فلو ضرب طفلا و ترك آخر لكان مخالفا للنهي بعكس قوله لا تضرب الطفل فإن ترك الطفل الذي امامه و ضرب طفلا آخر في زمن آخر فيصدق عليه أنه لم يضرب الطفل لأنه لم يضرب الطفل الذي أمامه و هو المقصود باللفظ.
من هنا يتبين الخلاف بين العام و الخاص و بين المطلق و المقيد فالتخصيص إخراج بعض أفراد العام من الحكم بعكس التقييد فحمل المطلق على المقيد إعمال للدليلين و ذلك لأنه لا تعارض بين مفهوم المقيد مع منطوق المطلق إذا أخد على عمومه لأن المطلق يصح إطلاقه على بعض الافراد فهو بدلي و يحُمل مفهوم القيد على البعض الآخر و ان كان يصح لكلا البعضين استعمال لفظ المطلق لكنهما لا يشتركان فيه في آن واحد في المعنى المقصود من المخاطب لأن اللفظ لا يحتمل معناه إشتراكا فلا يمكن للقائل أن يقول لك إمسك الطفل و يقصد به طفلين أمامك و ان كان يصح اطلاق الأمر على كل من الطفلين لكن لا يصح فهم مراد القائل على إمساكهما كليهما لأنه عنى طفلا واحدا لا إثنين فإذا حددنا المقصود من اللفظ بالطفل الأول خرج الطفل الثاني من هذا الأمر.
مثال ذلك قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتتة والدم) و قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا)
فلفظ الدم في الآية الأولى مطلق يصح إطلاقه على بعض أفراد جنسه لذلك من ترك دما مسفوحا فقد ترك الدم و لفظ الدم يصح اطلاقه على الدم المسفوح فالتقييد هنا إعمال للدليلين.
مما سبق يتبين أن لمفهوم النص الدور الأول في تقييد المطلق عند وجود القيد في السبب و من هنا يظهر سبب خلاف الفقهاء عند تطبيق هذه القاعدة لذلك هي غير مطردة فدلالة المفهوم و سياق اللفظ و القرائن تؤثر في ذلك و سأشرح ذلك في مشاركة لاحقة إن شاء الله.
نستنبط من ذلك سبب خلاف ابن حزم في هذه القاعدة فهو يحمل المقيد على المطلق لعدم عمله بمفهوم النص و عمله بعموم النصوص، قال ابن رشد في البداية:
والسبب الثاني إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو قوله ء عليه الصلاة والسلام ء " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " فإن في بعض رواياته " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وفي بعضها " جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت لي تربتها طهورا " وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يقضى بالمطلق على المقيد أو بالمقيد على المطلق؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق وفيه نظر، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد؛ لأن المطلق فيه زيادة معنى، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق، وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب، ومن قضى بالمطلق على المقيد وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى. اهـ
أما خلاف الأحناف في عدم تقييد المطلق عند اتحاد الحكم و اختلاف السبب لإعتبارهم ذلك من باب النسخ ونسخ النص لا يكون بالقياس لذلك لا يقيد الأحناف إلا بدليل (أنظر الإحكام للآمدي ص 692).
¥