والآيات لما بينت تحريم الغناء بينت حال أصحاب الغناء وإعراضهم عن كتاب الله، فإذا تليت عليه آيات ولى عنها وأعرض وثقل عليه سماعها، فإنك لا تجد أحدًا اعتنى بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى وفيه رغبة عن سماع القرآن فلا يطيقه
((2)) قال تعالى ((وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)) [7].
0 قال محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه المعروف بمحمد بن الحنفية: الزور ههنا الغناء، وقاله مجاهد.
0 قال ابن القيم: لا يحضرون مجالس الباطل، ويدخل في هذا أعياد المشركين والغناء وأنواع الباطل كلها.
0 وقال أيضًا: فمدح الله المؤمنين على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلف به وفعله؟! والغناء من أعظم الزور.
((3)) قال تعالى ((وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)) [8]
استدل بهده الآية الكريمة ابن عباس رضي الله عنه على تحريم الغناء، وذلك لأن الأمور في الآخرة تصير إلى أحد شيئين لا ثالث لهما: إما إلى الحق وإما إلى الباطل.
0 جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: ما تقول في الغناء أحلالٌ هو أم حرام؟ فقال له ابن عباس: أرأيت الحق والباطل إذا جاء يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك.
فهذا هو جواب ابن عباس عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط ووصف الحسناوات، ولم يكن معه المعازف والآلات المطربة، فلم يكن عندهم شيئًا من ذلك، فما بالكم لو شاهد ابن عباس هذا الغناء الماجن الذي مضرته أعظم من مضرة شرب الخمر.
0 وجاء رجل اسمه عبيد الله للقاسم بن محمد فقال له: كيف ترى في الغناء؟ فقال القاسم: هو باطل، فقال له: قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه؟ فقال القاسم: أرأيت الباطل أين هو؟ قال في النار، فقال: فهو ذاك.
((4)) قال تعالى ((وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا)) [9].
قال مجاهد: صوته: الغناء والباطل؛ وعنه قال: صوته هو المزامير.
وعن الحسن البصري قال: وصوته هو الدف.
وقال ابن عباس: هو كل داع إلى معصية.
ومعلوم أن الغناء من أعظم دعاة المعصية ولهذا فسر صوت الشيطان به.
وروي في بعض الآثار: أن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا: قال: الشعر، قال: فاجعل لي مؤذنًا، قال: المزمار، وفي آخر: قال إبليس فما صوتي: قال: المزامير.
((5)) قال تعالى ((أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ)) [10].
لقد كان من دأب المشركين لما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم الصد عنه وعن سبيله وصرف الناس عن القرآن الذي جاء به صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم هذه الآية.
قال ابن عباس: السمود: الغناء، يقال: اسمدي لنا أي غني لنا.
قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غني له.
قال عكرمة: وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا فنزلت هذه الآية.
فهذا حال المشركين مع القرآن .. يعارضونه بالغناء .. يشغلون الناس عن القرآن بالغناء .. يصرفون آذان الناس عن سماع القرآن بالغناء .. هذا دأب أهل الشرك، لا دأب أهل الإسلام.
كان هناك رجلاً من المشركين اسمه عبدالعزى بن خطل لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وأنزل الله تعالى هذا القرآن العظيم ذهب ابن خطل فاشترى مغنيتين ليصد بهما الناس عن دين الله تعالى، وقال: أصرف بهما الناس عن محمد، صلى الله عليه وسلم، ولتغنيان بذم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوم فتح مكة أحل النبي صلى الله عليه وسلم دمه وأمر بقتله هو والمغنيتين معه، وقال صلى الله عليه وسلم: اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فلما دخل المسلمون مكة طلبوا ابن خطل ففر ولجأ إلى الكعبة وتعلق بأستارها ظانًا بذلك أن التعلق بها سيعصم دمه فقتله الصحابة وهو معلق بأستار الكعبة وقتلت إحدى المغنيتين، واشترك في قتل ابن خطل أبو برزة الأسلمي t وسعيد بن حريث المخزومي t .
ثانيًا: الأحاديث الدالة على تحريم الغناء وسماعه.
¥