فإن لم يكن، فما رأيك عندئذ بتأخير ذكر طعام الفسق الذي أهل لغير الله به وتقديم ذكر طعام لحم الخنزير في الآية الكريمة؟ ألا تقوّي عندئذ دلالة أن يكون الضمير في "فإنه رجس" راجع على الطعام بأصنافه الثلاثة؟

سأبيّن لك أن الضمير عائد على لحم الخنزير لا على الأصناف الثلاثة .. إن شاء الله.

هل يصحّ لنا أن نقول: ما أجد في مَنْ أعرف من الرجال شديداً يُستعان به إلا أن يكون أحمد، أو سعيداً، أو زيداً، فإنه قويّ الشوكة؟

هل يصح أن تستعمل ضمير المفرد لوصف هؤلاء الثلاثة؟ .. أم أنك تقول: "فإنهم" عوضاً عن "فإنه"؟

تأمل هذا المثال جيداً، تجد أن إعادتك الضمير على "الطعام" لا يستقيم .. فقد وقع التنويع والتفصيل، فيجب أن يأتي الضمير واصفاً هذه الأفراد.

فإن "الطعام" مستثنى منه .. وهذه الأفراد الثلاثة هي المستثنى .. وأنت أرجعت الضمير على المستثنى منه .. فيكون المعنى عندئذ كالتالي:

لا أجد طعاماً يَحرُمُ أكله إلا بضعة أنواع، فإنه (أي الطعام) رجس.

فإن قلت: إنما أعني أن الضمير عائد على "أكله" .. قلت .. لا يمكن إعادة ضمير على ضمير آخر!! .. وهذا الضمير في "أكله" عائد على الطعام أصلاً .. فالمعنى هو: يحرم أكل الطعام إلا بضعة أنواع.

وأنت تقول في مشاركة رقم #5:

الهاء في "فإنه" راجعة على "الطعام" المحذوفة, أي طعاماً يطعمه الطاعم وجعله الله تعالى مُحرّماً وهو (الطعام الذي أوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه محرم: ميتة، دم مسفوح، لحم خنزير .. فإنه -الطعام- رجس)، والله أعلم.

هذا لا يستقيم لك .. فإن التحريم وقع بعد ذكر الطعام .. فالأصل في الكلام: كل الطعام حلال إلا هذه الثلاث .. فكيف تُرجع الضمير على الطعام الحلال؟؟ ..

أرأيت لو أنك قرأت هذا المقطع من الآية: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} .. ثم سكت .. ألا يفيد هذا إباحة جميع أنواع الطعام؟

فهذا يدلّ على أن الرجس لا يعود على "الطعام" .. لأنه حلال .. إنما يعود على أفراد ما استثني من الطعام، ولا يُمكن العزو إليها جميعاً إلا بضمير المؤنث "ها" .. كما تقول: هذه أطعمة .. هذه أشربة .. وهكذا.

فإن تبيّن ذلك، علمنا أنّ الضمير عائد على فرد مذكّر من هذه الثلاث، وهو - بحسب ظاهر اللفظ - لحم الخنزير.

-----------------

تقول:

بالنسبة لاستدلال "الشيخ" بسلى الجزور (ولا بد أنها من الفسق بالمناسبة) التي ألقاها المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم –بأبي وأمي هو- .. وبتلَطُّخ ابن مسعود -رضي الله عنه- بالدم أثناء النحر، فهذا الاستدلال بالأثرين -إن لم يوجد دليل يخالفه أو يوضح مسألة فيه- يدل على أنّ دم الأنعام ليس بِرِجس –بمعنى نجس- .. إنما لم أفهم ما علاقة الدم في الأثرين المذكورين "بالدم المسفوح" في الآية؛ فإنما جُعل الدم المسفوح رجساً مُحرّماً –في الآية الكريمة-كطعام تماماً كما جعلت الميتة رجساً محرماً كطعام. فرأيت أن وجه استدلال "الشيخ" ضعيف؛

لعلك لم تفهم مرادي ..

أنا أريد الدليل على نجاسة الدم المسفوح، بحيث يتوجب التطهر منه قبل الصلاة، كسائر النجاسات.

وما معنى قولك إن الدم المسفوح جُعل رجساً محرماً كطعام؟ .. هل تقصد إنه لا يضير التلوث به في الطهارة؟ .. فإن قلتَ كذلك، فقد وافقتني.

لكنّ استدلالاتك الأخرى تفيد نجاسة لمس الميتة، ووجوب الدباغ لتطهير جلدها من النجاسة .. فهذا يعني أنك تعتقد بالنجاسة الحسية للدم أيضاً، لأنك أدرجت معنى نجاسة الميتة في نجاسة الدم.

فإن قلت إنك لا تقصد أن هذه الآية دليل على النجاسة الحسيّة، قلت لك .. فهل ترى أن لحم الخنزير نجس نجاسة حسية بنص هذه الآية؟ (وفي ذلك إجماع على ما أذكر).

أما سائر حديثك عن الطعام ومعناه، إلا في بعض مواضع (كتفسيرك لمعنى الشرب والطعام) ليست من شأن هذا البحث.

هذا، والله أعلم.

ـ[تيم الله]ــــــــ[16 - Mar-2010, مساء 03:43]ـ

في عجالة أسجل بأني أخطأت التعبير وجانبت الدقة حين قلت أن الضمير عائد على "الطعام" لأن تركيزي كان منصباً على المفاصلة بينه وبين لحم الخنزير، بينما قصدتُ فعلياً أن أقول الضمير عائد على "الطعام المحرم": على وجه الدقة "طعاماً محرماً".

أعتذر.

يعني كما قلتُ في خاتمة مداخلتي السابقة:

.. هكذا أفهم معنى الآية الكريمة:

لا أجد فيما أوحي إلي طعاماً محرماً على طاعم يطعمه إلا إن يكون هذا الطعام ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّ هذا الذي صُيِّر طعاماً يطعمه الطاعم رجس ..

سأعود إن شاء الله تعالى بعد أن أدقق النظر وأقوم ببعض البحث فيما يتعلق بمداخلتك الأخيرة أخي الكريم، والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.

زادك الله علماً وحكمة.

ـ[أبو شعيب]ــــــــ[16 - Mar-2010, مساء 06:43]ـ

حسناً أخي الكريم ..

حسب كلامك، هل يجوز لغة أن نقول:

لا أجد رجلاً شديداً في الناس إلا أحمد، وسعيداً، وزيداً، فإنه كثير الصبر؟

هل تقول واصفاً الجميع: "فإنه" هنا، أم: "فإنهم"؟

ثم ماذا لو اشتهر عن أحمد القوة، وعن سعيد كذلك، ولم يُعرف ذلك عن زيد .. أفلا يصح عندئذ قولنا الآنف؟ بمعنى: أن هؤلاء الاثنين علمتم سبب اختياري لهم، أما زيد فإنه كثير الصبر، لذلك أدرجته في أشداء الرجال؟

ما رأيك؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015