كذلك لاحظ في الآيات الكريمة الأخرى –الثلاث- التي حرم عز وجل فيها الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله لم يذكر فيها حكم الرجس لأي من الأصناف الثلاثة ولا سمى تبارك وتعالى ما أُهل به لغير الله بالفسق، فإذا جمعنا الآيات الأربعة ونظرنا فيها سنرى بأنه جل وعلا لما فصّل -في آية الدم المسفوح- بيّن لنا أنّ تلك الأصناف عندما تكون طعاماً يطعمه الطاعم فإنه (الطعام) حينئذ رجسٌ محرم، وفي الآيات الثلاثة الأخرى ذكر حكم التحريم بالعموم بصيغة فعل.

وقد بدأ تبارك اسمه الحكيم في آية "الدم المسفوح" قوله المجيد بِ:

"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به"

ولم يقل على غرار الآيات الثلاث ("حرمت عليكم الميتة و .. " أو "إنما حرم عليكم الميتة و .. ").

ولكن فصّل تلك الآيات ..

وكما ذكرتُ في مداخلتي السابقة بأنه لو لم يذكر "طاعم يطعمه" لفهمنا من الآية الكريمة ومن سياق الآيات السابقة أن السياق في تحريم ما يؤكل إذ قال عز وجل في سياق الآيات التي سبقت آية "الدم المسفوح" في الأنعام:

(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (الأنعام:142)

فلماذا يذكر ربنا العظيم تبارك اسمه الحكيم .. لماذا يذكر ويُحدد "طاعم يطعمه" .. لماذا فصّل؟

ولم يقل " حرم عليكم" كما في الآيات العامة الثلاث .. بل "محرماً على طاعم يطعمه" .. حدّد وفصل في هذه الآية، وهذا من شأن الكتاب الذي فُصّلت آياته .. سبحان الحكيم الخبير.

.. هكذا أفهم معنى الآية الكريمة:

لا أجد فيما أوحي إلي طعاماً محرماً على طاعم يطعمه إلا إن يكون هذا الطعام ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّ هذا الذي صُيِّر طعاماً يطعمه الطاعم رجس ..

وأما طعام الفسق الذي أهل لغير الله به فمحرم إنما ليس برجس ولعله لهذا أخر ذكره عز وجل، وقد يكون هذا له علاقة بجنس تلك الأشياء -الميتة، الدم، لحم الخنزير- وطبيعة خصائصها وقد يكون هناك علل أخرى، وهذا يحتاج بحث، والله أعلم.

وبكل الأحوال أحتاج أن أن أنظر وأبحث أكثر لأفهم الفرق بين الرجس والنجس والرجز والركس، وقد نظرت في مواضع "رجس" في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ووجدت أنها تحتاج نظر وتدبّر .. وطلب هداية من العليم الحكيم، وقد سألت بعض الكرام ممن جعلوا كتاب ربهم المجيد شغلهم الشاغل بأن يعينونا في التدبر والبحث، وما زلت أنتظر منهم رد، والله المستعان.

بارك الله فيك أخي، وبانتظار تعقيبك.

ـ[أبو شعيب]ــــــــ[16 - Mar-2010, صباحاً 07:19]ـ

بارك الله فيك أخي وجزاك الله خيراً.

يجب أن نحدد أولاً مفهوم الميتة .. وما وجدته في كتب الفقه أنهم يعرّفون الميتة بأنها كل ما مات بغير تذكية شرعية .. وعلى ذلك يقول ابن تيمية في [مجموع الفتاوى: 35/ 154]:

وَمَنْ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ فَذَبِيحَتُهُ كَالْمَيْتَةِ

ويقول أيضاً في [مجموع الفتاوى: 35/ 135] في حديثه عن النصيرية:

وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَوَانِيَهُمْ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهَا؛ فَإِنَّ ذَبَائِحَهُمْ مَيْتَةٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ أَوَانِيَهُمْ الْمُسْتَعْمَلَةَ مَا يَطْبُخُونَهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، فَتَنْجُسُ بِذَلِكَ

فحكم بنجاسة ذبائحهم.

فما مفهوم الميتة عندك؟ فإن أقررت أن الميتة هي كل ما مات بغير تذكية شرعية، فنأتي إلى الآية فأقول: لماذا قدّم الله - تعالى - لفظة "رجس" على "فسقاً"؟ .. أوليس كل ما أهلّ لغير الله هو ميتة؟

فإن دلّ ذلك على شيء، دلّ على أن لفظة "رجس" لا يُقصد بها جميع الطعام المحرّم، وإلا لما خرج ما أهلّ به لغير الله من وصف الرجس.

لكنك يمكن أن تقول إنّ ما أهل لغير الله به داخل في وصف "الميتة"، وأن إخراجه عن وصف الرجس إنما هو لتأكيد التحريم بزيادة علّة أخرى فيه، وهي: الفسق .. فيكون المعنى: هو رجس لأنه ميتة، وهو فسق لأنه أهل به لغير الله.

وعندها لا أجد ما أنقض به كلامك وأرجع عن كلامي (ابتسامة).

-----------------

تقول:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015