بالنسبة لاستدلال "الشيخ" بسلى الجزور (ولا بد أنها من الفسق بالمناسبة) التي ألقاها المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم –بأبي وأمي هو- .. وبتلَطُّخ ابن مسعود -رضي الله عنه- بالدم أثناء النحر، فهذا الاستدلال بالأثرين -إن لم يوجد دليل يخالفه أو يوضح مسألة فيه- يدل على أنّ دم الأنعام ليس بِرِجس –بمعنى نجس- .. إنما لم أفهم ما علاقة الدم في الأثرين المذكورين "بالدم المسفوح" في الآية؛ فإنما جُعل الدم المسفوح رجساً مُحرّماً –في الآية الكريمة-كطعام تماماً كما جعلت الميتة رجساً محرماً كطعام. فرأيت أن وجه استدلال "الشيخ" ضعيف؛
"ماتت شاة لامرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فأخبرته فقال هلا انتفعتم بمسكها فقالت يا رسول الله بمسك ميتة قالت فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} إنكم لستم تأكلونه قال فبعث إليها فسلخت قال ابن عباس فجعلوا مسكها قربة ثم رأيتها بعد شنة"
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: ابن جرير الطبري ( http://www.dorar.net/mhd/310) - المصدر: مسند ابن عباس ( http://www.dorar.net/book/13568&ajax=1) - الصفحة أو الرقم: 2/ 798
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح
"ألا دبغتم إهابها واستنفعتم به. قالوا: يا رسول الله، إنها ميتة! قال: إنما حرم أكلها"
الراوي: ميمونة، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم: 4120، خلاصة حكم المحدث: صحيح
فإن ذبح رجل شاة وأصابه من دمائها التي سُفحت ثم صلى بدون أن يعيد وضوءه، فبناء على الأثرين اللذين نقلتهما فالدم طاهر، صح؟
طيب .. جيد، ولكن إن ملأ كأساً وشرب من ذات الدم المسفوح باعتباره طعام يطعمه لِظنه أنّ فيه شفاء أو يمنح قوة وعافية أو حتى لأنه يحب طعمه .. فعندئذ هذا الدم المسفوح الذي طَعِمه رجسٌ مُحرّم (كالميتة في الأثرين أعلاه التي أكلها حرام وهي رجس بينما الانتفاع بإهابها أو مسكها حلال).
أخي أظن أنّه علينا أن نتدبر في ذكر الحكيم لـ "طاعم يطعمه" .. أُنظر معي لو سمحت:
(1)
"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه .. "
لا بد أن نفهم معنى وطبيعة الإطعام المقصودة وعندئذ سنرى لماذا "الدم المسفوح" إذا جُعل طعاماً فإنه رجس وليس فقط محرم، وعندئذ قد نفهم لماذا إن أصابنا شيءٌ من هذا الدم نفسه أثناء نحره مثلاً فالدم الذي يصيبنا ليس برجس، وإن كان دماً مسفوحاً.
في القرآن الكريم نرى الآية المجيدة التالية توضح معنى أن تَطعم:
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)
واضح أن الذين شربوا قد طعموا منه، والذين اغترفوا لم يطعموا.
أؤلئك المؤمنون الذين لم يطعموه وفقط اغترفوا غرفة بأيديهم هم لم يتخذوا الماء طعاماً، ولو طعموه لكان معنى هذا أنهم شربوا وارتووا وليس كما قد يخطر للبعض بأنهم تذوقوا بل اتخذوه طعاما سدوا به حاجتهم، فالطعام إذن كأنه "وجبة" (كما في لسان القرآن قال الحكيم: "طعام مسكين") .. تطعمه أي تتخذه طعاماً، بمعنى تأكل منه بتواصل ويصبح من أطعمتك الاعتيادية التي تأكل وتسد حاجتك منها (من معاني الطعم في لسان العرب الاتصال).
وهذا ليس معناه أنّ تذوق الميتة وإن لقمة منها يعني أن الحكم (محرم رجس) لا يقع، بل يقع لأنها جُعِلت طعاماً، وبذا .. سواء أكل الطاعم لقمة أم أكل "دجاجة ميتة" كاملة، سواء أكل كل يوم منها أو أكل في السنة مرة واحدة أو كلما زار منطقة متواجد فيها الصنف (لحم الخنزير مثلاً) .. لا يهم عندئذ .. إذ ما يهم هنا أن تكون طعاماً يطعمه الطاعم.
(2)
¥