الإحاطة بالشيء: الإلمام به من جميع جوانبه؛ ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا}، والمراد في هذا السياق الإحاطة العلمية؛ بتصور الشيء تصوُّرًا تامًّا، سواء أكان هذا التصوُّرُ بسيطا في باب المصطلحات والمفاهيم (التصورات)، أم كان مركَّبًا في باب القضايا والأحكام (التصديقات).
(مَبْلَغَ ذَوِي الْجِدِّ):
الجِدُّ: الاجتهاد.
والتشمير: الكشف عن الساعد؛ كنايَةً عن الاستعداد لمعالجة أمرٍ منَ الأمور.
وقدَّم وأخَّر في هذه الفاصلة مراعاة للسجع؛ إذ أصل التركيب: ((البالغِ مبلغَ ذوي الجدِّ والتشمير من الإحاطة بالأصلين)).
والأصلان: سبق أنهما أصول الدين وأصول الفقه، والتعبير بالأصلين فيه ردٌّ لِلَفظ الأصول إلى مفردِهِ ثم تثنيتُهُ؛ لأنه أخف في السمع من تثنية الجمع، مع ظهور المراد منه، ويمكن أن يقال: إن لام الأصل جنسية فيكون جمعا في المعنى؛ فصح التعبير به عن الأصول المجموع لفظا.
(الْوَارِدِ):
أي: الجائي، وكان الأفضل أن يعبر عنه بالصادر، كأن المصنف رحمه الله وَرَدَ بَحْرَ أُصول الفقه الواسعَ الجَنَبَاتِ، المتنوعَ المشارب، فشرب منه عَلَلا بعد نَهَل، ثم صدر عن هذا البحر بهذا المتن الفائق الجامع المانع بما لا مزيد عليه، وهذا المعنى يؤيده قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
أَبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِيْنَا
بِأَنَّا نُوْرِدُ الرَّايَاتِ بِيْضاً ... وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَا
(مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ):
زُهَاءِ: بضم الزاي والمد، بمعنى الحَزْرِ والتخمين؛ أي: قدر مائة مصنف، وأصلها زُهاو، تطرفت الواو بعد ألف زائدة؛ أفقلبت همزة؛ نحو: سماء.
وعبارة: ((مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ)): بيان لكلمة: ((منهلا))، قدمت عليها مراعاة للسجع.
(مَنْهَلًا يُرْوِي وَيَمِيرُ):
يُرْوِي: بالضم على وزن الرباعيِّ.
ويَمِيرُ: بفتح حرف المضارعة، من المِيرَةِ؛ وهي الطعام؛ ومنه قوله تعالى: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا}، وحذف المفعول في الفعلين لإفادة العموم، ولإتاحة المجال لمسارح العقول الفسيحة، ومسارات الخيال الرحبة، لتَسْرَحَ فيه كلَّ مَسْرَحٍ.
وفي الجمع بين الإرواء من الماء والإشباع من الطعام إشارة إلى تشبيه هذا الكتاب بماء زمزم؛ التي جعلها الله - عز وجل - طعامَ طُعمٍ وشفاءَ سُقْمٍ؛ فكما أن في ماء زمزم الغَناءَ عن غيرها، وغيرُها لا يُغْنِي عنها، فكذلك في هذا المتن غَناء عن غيره، ولا يغني غيره عنه.
(الْمُحِيطِ بِزُبْدَةِ مَا فِي شَرْحَيَّ عَلَى المُخْتَصَرِ وَالمِنْهَاجِ):
الزبدة؛ بالضم: الخُلاصة من كل شيء، والمستصفى منه.
والشرحان: أولهما على مختصر البيضاوي المعروف بـ ((منهاج الأصول))، وشرح المصنف هو ((الإبهاج في شرح المنهاج))، بدأه أبوه الإمام قاضي القضاة تقي الدين عليُّ بن عبد الكافي السبكي، لكنه تُوُفِّيَ في بداية شرحه، وانتهى شرحه عند الكلام على مقدِّمة الواجب، وأكمله المصنف بعد والده، والكتاب طبع عدة طبعات، من أشهرها الطبعة التي حققها الشيخ الدكتور شعبان محمد إسماعيل، وله طبعة مميزة بدار البحوث بدبي في ستة مجلدات، كان أصلها رسالة دكتوراه.
والشرح الثاني: شرحه على مختصر ابن الحاجب، المعروف برفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو من أوسع شروح مختصر ابن الحاجب وأنفعها، طبع بتحقيق علي معوض، وعادل عبد الموجود، بدار عالم الكتب.
(مَعَ مَزِيدٍ كَثِيرٍ):
¥