والسداد: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
والأمَّة هنا تشمل أمَّة الإجابة؛ وهم المؤمنون، وأمَّةَ الدعوة؛ وهم الثَّقَلان؛ لأن هداية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشملهما.
(لِرَشَادِهَا):
أي: لما فيه رُشدها من الدين القويم، والصراط المستقيم، والرشاد عامٌّ؛ فساغ وقوع اسم الفاعل: ((هادي)) نعتا للمعرفة قبله.
(وَعَلَى آلِهِ):
الآل: أصله الأهل؛ قلبت الهاء همزة، ثم قلبت الهمزة أَلِفًا، ويختلف تفسير الآل بحسب السياق الوارد فيه:
ـ ففي سياق آل المصطفى صلى الله عليه وسلم المطهَّرون من الرجز؛ فهم: ذُرِّيتُهُ أهلُ بيتِهِ الأقربون؛ فاطمة والحَسَنَانِ، وعلي بن أبي طالب؛ دليل هذا التفسير حديثُ عائشة عند الإمام مسلم في صحيحه [في كتاب الفضائل، باب فضائل أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم الحديث: 2424]، وأمِّ سلمة عند الترمذي؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل علياً وفاطمة والحسن والحسين في كساءٍ كان معه وقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، وهم المرادون في آية المباهلة؛ فقد أخرج الإمام مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوُا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا وفاطمة وحَسَنًا وحُسَيْنًا فقال: ((اللهم هؤلاء أهلي)).
ـ وفي سياق الأحكام الفقهية المختصة بآل المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ كحرمة الزكاة، ووجوب الخُمُس، فهم: مؤمنو بني هاشم، الواردون في حديث العباءة، وقال الإمامان الشافعي وأحمد: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
ـ وفي سياق الدعاء: هم أمَّة محمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم – جَمْعَاءَ، استظهره النووي في شرح مسلم، وقال: هو اختيار الأزهري وغيره من المحققين، وقيل: هم المتقون منهم؛ ويدل عليه حديث: ((لَيْسَ آلُ فُلانٍ لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمُ المُتَّقُونَ))؛ [أصله في الصحيحين؛ أخرجه البخاري في الأدب، وفي رواية: ((لَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلالِهَا))، وللحديث روايات كثيرة وألفاظ مختلفة]، ومن أحسن من فصَّل الكلام في تفسير الآل وبيان اختلافه بحسب السياقِ الواردِ فيه -: الشيخُ عبد الله بن حسين خاطر السَّمِين العدويُّ في حاشيته: لقط الدرر على شرح متن نخبة الفِكر.
(وَصَحْبِهِ):
اسم جمع بمعنى: أصحاب، وبينه وبين الآل عموم وخصوص مما سوغ الجمع بينهما، فإذا فسرنا الآل بمؤمني بني هاشم، كان من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وإن فسرنا الآل بمطلق أتباعه - صلى الله عليه وسلم - على دينه، كان من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والراجح جواز العطفين لوجودهما في لغة العرب، وفي القرآن الكريم.
(مَا قَامَتِ الطُّرُوسُ وَالسُّطُورُ لِعُيُونِ الأَلْفَاظِ مَقَامَ بَيَاضِهَا وَسَوَادِهَا):
(مَا): مصدرية ظرفية بمعنى: ((مُدَّةَ)) مضافةً إلى مصدرِ ما دَخَلَتْ عليه؛ ومنه قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}، وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}.
(الطُّرُوسُ):
الطُّرُوس: جمع طِرس (بكسر الطاء)؛ وهو الصحيفة.
(وَالسُّطُورُ):
جمع سطر، مصدر يطلق على المسطور، وعطفُهُ على الطروس من عطف الجزء على الكل؛ فإن الطرس يشمل السطور وظرفها.
(لِعُيُونِ الْأَلْفَاظِ):
أي: للألفاظ التي هي كالعيون؛ فيكون من إضافة الصفة إلى موصوفها، وفيه استعارة مكنية؛ فقد أضمر في نفسه تشبيه الألفاظ بالعيون الباصرة بجامع الاشتراك في نور الهداية، وآلة الإبصار، وأثبت للألفاظ عيونا.
(مَقَامَ بَيَاضِهَا):
أي: بياض العيون.
(وَسَوَادِهَا):
أي: سواد العيون، والمعنى أنه جعل الألفاظ كالعيون الباصرة؛ فكما أن العيون مشتملة على سواد محفوف ببياض، كذلك الألفاظ باعتبار وجودها في نقوش الكتابة الموجودة في الصحائف فكما تدوم العين بدوام بياضها وسوادها: كذلك تدوم الألفاظ بدوام بياض الصحائف وسوادها، وكما يهتدى بالعين إلى المرئيات، كذلك يهتدى بالصحائف إلى المعاني ما دامت باقية، وفيه تشبيه مركَّب؛ يقوم على تشبيه صورة بصورة، وينظر فيه إلى مقابلة المجموع بالمجموع، ولا يعني فيه بالمقابلة اللفظية الأحادية، والتشبيه المركب تعتمد عليه أكثر أمثلة القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ}،،،،،، إلخ.
والمراد تأبيد الحمد والصلاة ببقاء الصحائف والكتب، وبقاؤها ببقاء أهل العلم، وهم باقون بحمد الله إلى قيام الساعة.
وفي ذكر الطروس والسطور مع البياض والسواد لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ؛ لرجوع البياض للطروس، والسواد للسطور على أسلوب قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}.
وفي هذه العبارة براعة استهلال؛ فالعلماء قوامهم العلم باستنباط الأحكام الذي اتخذ أصول الفقه آلته.
¥