بصيغة الخطاب؛ أي: يا الله، والميم عند البصريين عوض عن حرف النداء المحذوف، ولذلك لا يجتمعان إلا شذوذا؛ ومن أمثلته قول الراجز:

إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا ... أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّ

ويجوز الجمع بينهما عند الكوفيين.

وقد يقال فيه: ((لاَهُمَّ))؛ ومنه قول عمرو بن سالم الخزاعي:

لاَهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ... حِلْفَ أبِينَا وَأبِيكَ الأتْلَدَا

وقول عبد المطلب [من الكامل]:

لَاهُمَّ إِنَّ العَبْدَ يَمْـ ... ـنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ

وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ ... ـبِ وَعَابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ

وعدل المصنف عن قول: ((نحمد الله)) مع كونها أخصر وكونِ الاختصار أنسَبَ للمتون؛ إيثارا لصيغة الخطاب؛ للتلذذ بخطاب الله بالكاف، وندائه بالميم.

(عَلَى نِعَمٍ):

نَكَّرَ النِّعَمَ للتعظيم؛ كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ}، وقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}؛ أي: كثيرون عظماء، وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا}، وصيغة النِّعَمِ من صِيَغِ جُمُوعِ الكثرة ليَجمع بين وصفَيِ الكثرة والعظمة في هذه النعم؛ فيكون أنسب إلى بساط الحمد والثناء.

والنِّعَم إما أن يراد بها: الأشياءُ المنعَمُ بها على العبد؛ كالعلم والدين والتوفيق، ومنه تأليف هذا الكتاب، وإما أن يراد بها الإنعام الذي هو الصفة الفعلية فيكون حَمْدًا على الصفة من حيث متعلَّقُها، والأول أقرب إلى اللفظ، وأنسب لموقع الشكر ومقام الافتتاح، وبِساط التأليف، والثاني أنسب بموقع الحمد؛ لما فيه من عموم المتعلَّق.

(يُؤْذِنُ الْحَمْدُ بِازْدِيَادِهَا):

الإيذان: هو الإعلام، قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، وقال تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}، ومنه قول الحارثِ بنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ:

آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثُّوَاءُ

أي: أعلمتنا.

ولام الحمد إما أن تكون للعهد؛ أي: حَمْدُنَا السابق يؤذن بازدياد النِّعَمِ علينا، أو للجنس؛ أي: جميع النِّعَم من شأنها أن الحمد عليها يؤذن بازديادها على الحامد، ولا يخفى هاهنا الاقتباس من قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.

وصيغة الافتعال في الازدياد دالَّة على المبالغة في تأكيد الحصول.

ـ[مصطفى حسنين]ــــــــ[07 - Mar-2010, صباحاً 05:04]ـ

(وَنُصَلِّي):

أي: نُنْشِئُ الصلاة من عندنا على نبيك، أو نطلب من الله أن يتولى هذا الأمر عنا.

ومعنى صلاة الله تعالى على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى؛ على ما أخرجه البخاري في معلَّقاته عن أبي العالية؛ قال الإمام البخاري: قال أبو العالية: ((صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، ومنا طلبُ ذلك من الله))، وهذا القول انتصر له الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد وطال نَفَسُهُ في ترجيحه.

والتعبير بـ: ((نصلي)): كالتعبير بـ: ((نحمدك))؛ في تفسير اقترانه بنون المضارعة المختصة بالجمع.

ولم يُسَلِّمِ مع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمادا على أنه لا يُوافِق على القول بكراهة إفراد الصلاة عن السلام، الذي اعتمده النووي في شرح مسلم؛ لاعتماد هذا القول على دَلالة الاقتران، ودَلالة الاقتران ضعيفة عند جمهور الأصوليين.

(عَلَى نَبِيِّك مُحَمَّدٍ):

عبر بالنبي دون الرسول: لأن الرسالة تفهم من العلم الذي يصنف فيه هذا الكتاب، أو من الوصف الآتي بعده؛ في قوله: ((هادي الأمة))؛ فيكون قد وصف بالوصفين النبوة والرسالة، أو مراعاةً لخلاف العزِّ بن عبد السلام في تفضيل النبوة على الرسالة، وقوله مرجوح.

أما الفرق بين النبي والرسول: فأشهر ما قيل فيه: أن النبي: مَن أُوحِيَ إليه بوحي، ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أمر بالبلاغ:

وهذا القول متعقََّب بكثير من الإيرادات؛ منها:

ـ التشكيك في صحة نزول الوحي على رجل من غير أن يؤمر بالتبليغ حالا أو مآلا.

ـ السياق القرآني لا يعتبر هذا التفريق ويُهمِلُهُ؛ ومن الشواهد على هذا الإهمال:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015