ـ أن حمد الله تعالى لا يكون إلا بتوفيق من الله للعبد إلى أن يَحمَدَهُ، وهذا التوفيق يستدعي من العبد الموفَّق إنشاءَ حَمْدٍ جديدٍ على هذا التوفيق، وكلما أنشأ العبد حَمْدًا لربِّهِ، نظر إلى حسن توفيق الله له إلى الحمد؛ فاستدعى منه حَمْدًا جديدا، وهكذا يحتاج العبد إلى أن يَستغرِقَ جميع ملكاته وكلِّيَّتَه في الحمد، ويكون الحمد - على هذا التأويل – هو الشيءَ الذي يصح إثبات التسلسل فيه، وقد قيل في هذا المعنى:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ وَفِي أَمْثَالِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلاَّ بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَوْقَاتُ وَاتَّسَعَ العُمْرُ
ولما كان شَغْلُ المَلَكات جميعِها والأعضاءِ كلِّها في جميع الأزمان والأماكن والأحوال بالحمد المستحَقِّ لرب العالمين أمرا متعذِّرًا -: أنعم الله على عباده برحمته ومنِّهِ وكرمه، فأرشدهم إلى جوامع الكلم المستغرِقَةِ لجميع المحامد؛ فأعلمنا بما أوحى إلى حبيبه وخليله – صلى الله عليه وسلم - أنَّ الذكر والتسبيح بالكلم الجوامع مغنٍ عن استغراق العبد نفسَهُ في الذِّكْرِ؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدرى – رضي الله عنها - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «ربنا لك الحمد، ملءَ السموات والأرض، وملء ما شئت من شىء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم، لا مانع لما أعطيت، ولا معطِىَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ».
وفي مقام التسبيح أرشدنا إلى ما أخرجه الإمام مسلم أيضا عن جويرية – رضي الله عنها - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بُكرةً حين صلى الصبح، وهى فى مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهى جالسة، فقال: «ما زلتِ على الحال التى فارقتُكِ عليها؟ قالت نعم، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - «لقد قلتُ بعدَكِ أربع كلمات ثلاثَ مراتٍ، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم، لَوَزَنَتَهُنَّ: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته».
وكذلك في مقام الثناء على الله بما هو أهله: فإن علم العباد قاصر، لا يطمع في إدراك حقيقة الكمال الإلهي، ولا سبيل لهم إلى الإحاطة بهذا الكمال؛ قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}، وقال أيضا: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}؛ فأرشدنا ربنا عز وجل بمَنِّه ورحمته وحُسْنِ توفيقِهِ إلى مجامع الثناء بإحالة الثناء إلى علم الله الشاملِ بجميع جهات كماله بجماله وجلاله، ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)).
وتصدير فعل الحمد في المتن بالنون له – عند الشرَّاح - تخريجان:
التخريج الأول: أن هذه النون نون الجمع؛ مع تأويله بإرادة نفسه ومَن معه مِنَ المخاطبين بهذا المتن من طلبة العلم والمستفيدين بهذا الكتاب من بعده، أو إرادة من كان مثله من العلماء الراسخين الكبار الذين اعتادوا البُداءَةَ بالحمد في مصنفاتهم، أو أنه أدخل نفسه في جملة الحامدين؛ وهذا كله أدعى إلى القبول لما يرجى من بركة الجمع، أو أنه أراد تنبيه المخاطبين والإلماعَ إلى أن حَمْدَ الله تعالى من شأنه أن يتواطأ عليه العباد، ولا يتخلف منهم أحد.
التخريج الثاني: أن هذه النون نون العظمة، لإظهار لازم العظمة؛ الي هو وجوبُ حمد موجِدِها ومانحها، وتعظيم الله تعالى بتأهيله للعلم، من قبيل التحدث بنعمة الله تعالى عليه.
ولما كان العبد مخلوقا للعبادة، مشغولا باللَّهَجِ بالذِّكر والدعاء، والضراعة والإنابة، استلزم ذلك توظيف جميع أعضائه في عبادة ربه، وتوظيف القلب يكون باستحضار صفات الجمال والجلال في القلب ليكون القلب موجها للبدن وَفْقًا لمقتضى هذه الصفات العليا، وتوظيف اللسان يكون بالثناء على الله بصفات الجمال والجلال، وهذا هو الحمد، ويكون بتوظيف الأعضاء في العبادة، وهذا هو الشكر، ولهذا ارتبط الشكر بالحمد كثيرا في كلام الأئمة في شرح مقدمات الكتب، والشكر عندهم: صرف العبد ما أولاه مولاه من نداه في طاعة مولاه، غير فَرِحٍ بالنعمة، بل بالمنعِم بها.
وقوله: (اللَّهُمَّ):
¥