جاءت هذه الآية في قصة بدر، فبنصره تعالى لنبيه والمؤمنين وهم قلة على أعدائهم، وهم كثرة وذو عُدة وهالة، فيه آية يهتدي بها الموفقون، ويعمي عنها المعرضون الهالكون.

ثُمَّ إنَّ أعداءَ الرسل بينهم اختلافات ولكن هذه الاختلافات لا يخرجون بها عن دائرة الضلال والشفاء، قال تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)) (البقرة:176).

وقال تعالى: ((إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ)) (الذريات:8،9).

كل هؤلاء المختلفين على باطل، فالاختلاف الأول بين الحق والباطل، وأهلُ الحق والباطل، فهذا الاختلاف يُحْمَد فيه أحد الفريقين ويَُذَم الفريق الآخر.

وأما الاختلاف بين ملل الكفر وطرق الضلال فهذا لا يخرجها عن الذم، فكلها باطلة، وكلها مذمومة، وكلها سبلَ ضلالٍ، وإن كان بعضها أبعدُ عن الحق من بعض، فتكتسبُ مزيداً من الذم، ومزيدً من سوءِ المصير.

أما الداخلون في دائرة دين الرسل – في دائرة الإسلام - هؤلاءِ يجري بينهم اختلافات، فالخلاف والاختلاف سنة كونية، وطبيعية بشرية، اقتضتها حكمة الله تعالى في خلقه، حسب تكوينهم في عقولهم ومآدبهم، وتأثراتهم وتأثيراتهم، فالداخلون وإن كانوا جميعاً ينتمون إلى دين الإسلام، فأما المنتسبون لدين الإسلام ظاهراً لا باطناً فهم المنافقون، وهؤلاء لا وزن لهم ولا اعتبار، فهم داخلون في حزب الشيطان كما قال الله سبحانه وتعالى: ((يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ، اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) (المجادلة:18، 19).

لكن نبقى مع المؤمنين المسلمين الذين معهم أصل الإسلام، فهؤلاءِ أيضاً يجري بينهم الاختلاف، والاختلاف المعتبر هو الخلاف الذي يكون بين أهل العلم.

وهناكَ اختلافات بين فئات الأمة، وهذه الاختلافات منشأها التفاوت في الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-، فكثيرٌ من المسلمين قد فرطوا في هذا الواجب، فتخبطوا في الظلمات، وتلقفتهم أيادي الأعداء من شياطين الإنس والجن، فتدينوا بما لم يشرع الله، واعتقدوا ما لم ينزل الله به من سلطان، وهذا يصدق على فرق الأمة، أهل الأهواء الذين ابتدعوا بدعاً اتخذوها ديناً بدعاً اعتقاديه، أو بدعاً عمليةً، فهم مختلفون فيما بينهم، وهم أيضاً مخالفون لأهل السنة والجماعة، إذن هذا نوع من الاختلاف.

وأيضاً فهذا الاختلاف الخطير بين المنتسبين للإسلام أخبر به- صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور الذي قال فيه ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)) وفي رواية: قال: ((هي الجماعة)) [1]

وهذا الاختلاف من وجه يشبه الاختلاف بين المؤمنين والكفار، لأنه اختلاف تضاد، واختلاف منشأه المأخذ الذي يعتمد عليه، ويتمسك به كل فريق، فهذا الخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم هو اختلاف تضاد، والحق فيه دائماً مع أهل السنة، فأهل السنة في الأمة، كالأمة في سائر الأمم،الحق كله في الأمة المسلمة، ثم إنَّ الحق كله والصواب كله مع أهل السنة.

وكل من خالف أهل السنة في أمرٍ فهو منحرف عن الصراط المستقيم بقدر هذه المخالفة، كمّاً وكيفاً، فهذه الفرق بعضها أبعد عن الحق من بعض، وبعضها أقرب من بعض.

فهذا اختلاف جارٍ دل عليه القرآن الكريم والسنة، لأنَّ الله أخبر عن افتراق الأمم الماضية كما في قوله تعالى: ((وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)) (الشورى: من الآية14).

وقوله: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) (آل عمران:105).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015