وقوله: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) (البينة:4).
مع قوله- صلى الله عليه وسلم-: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة)) [2]
ثم إن أهل السنة أيضاً يقع بينهم اختلافات، ولكن مع الفرق بين اختلاف أهل السنة فيما بينهم واختلافهم مع غيرهم، واختلاف غيرهم من بعضهم مع بعض، فأهل السنة إن اختلفوا في شيء فإنه لا يكون في مسائل الاعتقاد البتة إلا في مسائل جزئية قليلة، وإنما اختلافهم في المسائل العملية، ثم إن الخلاف الذي يكون بين أهل السنة، بل أقول: إن هذا الاختلاف بين أهل السنة وسلفهم – وهم الصحابة رضي الله عنه – فإن الخلاف وقع بينهم، أقول: إن هذا الاختلاف الذي وقع بين الصحابة وبين أتباعهم من أهل السنة والجماعة نوعان:
النوع الأول: اختلاف تنوع، واختلاف التنوع ضابطه أنَّ كلاً من المختلفين مصيب، كما اختلف الصحابة في عهده- صلى الله عليه وسلم- في فهم قوله: ((لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلاَّ في بني قريظة)) [3]
فصلى بعضهم في الطريق، وبعضهم آخر الصلاة – صلاة العصر – حتى جاء إلى بني قريظة، وقد يقال: إنَّ هذا من اختلاف التضاد الذي لم يبين فيه المصيب، لكن كل من المختلفين محمود لأنَّهُ اجتهد، فإنَّ اختلافَ التنوع كل من المختلفين فيه مصيب، وكل منهما محمود، ولعل المثال البيّن لهذا هو الاختلاف في القراءات من اختلاف التنوع، وكالاختلاف فيما أقرَّ الله عباده عليه من تصرفاتهم، كما في قوله تعالى: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)) (الحشر:5).
فهذا كله اختلاف تنوع لا يُذم فيه أحد من المختلفين، بل كل من المختلفين محمود، وكل من المختلفين على حق، وهؤلاءِ إنما يُؤتون إذا بغى بعضهم على بعض، وأنكر بعضهم ما عند الآخر، مع أنَّ كلاً منهما على الحق وكل منهما مصيب.
النوع الثاني: من الاختلاف الذي يكون بين السلف الصالح وأتباعهم، هو اختلاف التضاد، وهذا يمكن أن أقول: إنه نوعان:
الأول: اختلاف قام الدليل على تصويب أحد المذهبين، فهذا القولُ الذي وافق الدليل هو الحق وما خالفه خطأ، ولكن حيث كان المختلفون مجتهدين فكل منهما محمود ومأجور، – وإن كان أحد من المختلِفين أو المختلفَين أفضل من الآخر – فمن اجتهد وأصاب الحق فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد على حد قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد)) [4]
يعني وخطؤهُ مغفور، لقوله سبحانه وتعالى: ((َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)) (الأحزاب: من الآية5).
وحينئذٍ فكل من المختلفين، وإن كان القولان متضادين – محمود وكل منهما مأجور – وإنَّ كان الحقُّ مع أحدهما.
الثاني من اختلاف التضاد: اختلاف لا يتبين فيه الصواب، وليس هناك دليل يعتمدُ عليه لواحد من المذهبين، بل يكون منشأ القولين هو محض الاجتهاد، فهذا الاختلاف الذي إذا لم يعارض دليلاً شرعياً، ولم يُبْن أحد القولين على دليلٍ يعيّن أنه هو الصواب، فيبقى القولان سائغين، وكل من المختلفين محمود عل اجتهادهِ مأجور، على اجتهاده والله أعلم بالصواب.
وبعد هذا العرض لتنوع الاختلاف، فيجبُ على المسلمِ أن يعتصم بحبل الله، فيتمسكُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- في العلم وفي العمل، وفي الحكم بين الناس، قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)) (النساء:58).
وقال تعالى: ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)) (الأنعام: من الآية152).
¥