هكذا تتابعت رحلة الدعوة إلى الله وقصة الدعوة إلى الله قال الله تعالى: ((ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِين، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)) (المؤمنون:42 - 44).

فالناس فريقان: مؤمن وكافر، مطيع وعاصي، بر وفاجر، هو فريقان في الدنيا وهم فريقان في الآخرة، هذا الاختلاف الأعظم، الاختلاف بالإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، والتقوى والفجور، قال الله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) (التغابن:2).

وهذا واقع بمشيئة الله تعالى وتقديره، وله الحكمةُ البالغة، وهذا الاختلافُ ينشأ عنه تباغض واقتتال وتباين، لأنَّهُ اختلافٌ جذري، اختلا فٌ بالإيمان والكفر، كما قال الله تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)) (البقرة:253).

فهذا اختلافٌ قدره الله وقضاه، ولا يزال الناس مختلفين ذلك الاختلاف، كما قال تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) (هود:118، 119).

وهذا يدلُ على استمرار هذا الاختلاف بين الحق والباطل، بين أولياء الله وأعداء الله، بين حزب الله وحرب الشيطان، فهما حزبان مختلفان على ظهر هذه الأرض، فهذا اختلاف الحق فيه بيّن، الحق فيه ما عليه الرسل وأتباعهم، فمن أراد النجاة والسعادة والفلاح فليكن في هذا الجانب، ومن كان في الجانب الآخر فقد شاق الله ورسوله كما قال الله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) (لأنفال:13).

فالخيرُ والصلاح، والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة، في سبيل الرسل وأتباعهم، والشر والشقاء، والضلال البعيد لمن سلك سبيل الغاوين الحائدين الزائغين عن سبيل المرسلين، قال الله تعالى: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (الأنعام:153).

وأكثر الخلق هم في حزب الشيطان كما قال تعالى: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)) (غافر: من الآية59).

وقال: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)) (سبأ: من الآية13).

وقال: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)) (يوسف: من الآية38).

وقال: ((وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه)) (الأنعام: من الآية116).

هذا هو حكمُ الله في هذا الخلاف، وهذا الاختلاف قال تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)) (النساء:76).

والله تعالى يقيم الدلائل على الحق، يقيم المعالم التي يهتدي بها المهتدون ينصر أولياءه، ينجيهم مع قلتهم وضعفهم، ويخذل أعداءه ويخزيهم، وينزل بهم النكبات على كثرتهم، وفي هذا تبصير للمستبصرين كما قال سبحانه: ((لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (لأنفال: 42).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015