لا نفس المتكلم. ولهذا قال: {وإن كان مائة شرط} أي: وإن كان مائة مشروط وليس المراد تعديد التكلم بالشرط. وإنما المراد تعديد المشروط. والدليل على ذلك قوله: {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط الله أوثق منه. وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه؛ بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى. وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه حتى يقال: " {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} فيكون المعنى: من اشترط أمرا ليس في حكم الله أو في كتابه بواسطة أو بغير واسطة: فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط ولما لم يكن في كتاب الله أن الولاء لغير المعتق أبدا كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطا ليس في كتاب الله. فانظر إلى المشروط إن كان فعلا أو حكما. فإن كان الله قد أباحه: جاز اشتراطه ووجب. وإن كان الله تعالى لم يبحه: لم يجز اشتراطه: فإذا شرط الرجل أن لا يسافر بزوجته. فهذا المشروط في كتاب الله لأن كتاب الله يبيح أن لا يسافر بها. فإذا شرط عدم السفر فقد شرط مشروطا مباحا في كتاب الله. فمضمون الحديث: أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة أو يقال: ليس في كتاب الله: أي: ليس في كتاب الله نفيه ((؟؟ لعله: أي: في كتاب الله نفيه)) كما قال {سيكون أقوام يحدثونكم بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم} أي: بما تعرفون خلافه. وإلا فما لا يعرف كثير.

ثم نقول: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم العقود والشروط التي لم يبحها الشارع تكون باطلة بمعنى: أنه لا يلزم بها شيء لا إيجاب ولا تحريم فإن هذا خلاف الكتاب والسنة. بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها أحكام؛ فإن الله قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه وسماه منكرا من القول وزورا ثم إنه أوجب به على من عاد: الكفارة ومن لم يعد: جعل في حقه مقصود التحريم من ترك الوطء وترك العقد. وكذا النذر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر كما ثبت ذلك عنه من حديث أبي هريرة وابن عمر وقال: {إنه لا يأتي بخير} ثم أوجب الوفاء به إذا كان طاعة في قوله صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.} فالعقد المحرم قد يكون سببا لإيجاب أو تحريم. نعم لا يكون سببا لإباحة كما أنه لما نهى عن بيع الغرر وعن عقد الربا وعن نكاح ذوات المحارم ونحو ذلك: لم يستفد المنهي بفعله لما نهى عنه الاستباحة؛ لأن المنهي عنه معصية. والأصل في المعاصي: أنها لا تكون سببا لنعمة الله ورحمته. والإباحة من نعمة الله ورحمته وإن كانت قد تكون سببا للإملاء ولفتح أبواب الدنيا؛ لكن ذلك قدر ليس بشرع؛ بل قد يكون سببا لعقوبة الله تعالى. والإيجاب والتحريم قد يكون عقوبة كما قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} وإن كان قد يكون رحمة أيضا كما جاءت شريعتنا الحنيفية.

والمخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر ونحوهم قد يجعلون كل ما لم يؤذن فيه إذن خاص: فهو عقد حرام وكل عقد حرام فوجوده كعدمه وكلا المقدمتين ممنوعة كما تقدم. وقد يجاب عن هذه الحجة بطريقة ثانية - إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن الشروط التي لم يبحها الله وإن كان لا يحرمها باطلة. - فنقول: قد ذكرنا ما في الكتاب والسنة والآثار من الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والشروط عموما وأن المقصود هو وجوب الوفاء بها. وعلى هذا التقدير فوجوب الوفاء بها يقتضي أن تكون مباحة؛ فإنه إذا وجب الوفاء بها لم تكن باطلة وإذا لم تكن باطلة كانت مباحة. وذلك لأن قوله: {ليس في كتاب الله} " إنما يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه فإن ما دل كتاب الله على إباحته بعمومه فإنه في كتاب الله؛ لأن قولنا: هذا في كتاب الله يعم ما هو فيه بالخصوص وبالعموم. وعلى هذا معنى قوله تعالى {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} وقوله: {ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء} وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} على قول من جعل الكتاب هو القرآن. وأما على قول من جعله اللوح المحفوظ: فلا يجيء ههنا. يدل على ذلك: أن الشرط الذي

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015