وأيضا فإن العقود والشروط لا تخلو إما أن يقال: لا تحل ولا تصح إن لم يدل على حلها دليل شرعي خاص من نص أو إجماع أو قياس عند الجمهور. كما ذكرناه من القول الأول أو يقال: لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعي وإن كان عاما. أو يقال: تصح ولا تحرم إلا أن يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام. والقول الأول: باطل؛ لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود والقبوض التي وقعت في حال الكفر وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء محرم. فقال سبحانه في آية الربا: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} فأمرهم بترك ما بقي لهم من الربا في الذمم ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا؛ بل مفهوم الآية - الذي اتفق العمل عليه - يوجب أنه غير منهي عنه؛ وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي في الذمم ولم يأمرهم برد المقبوض. وقال صلى الله عليه وسلم {أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام} " وأقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية ولم يستفصل أحدا: هل عقد به في عدة أو غير عدة؟ بولي أو بغير ولي؟ بشهود أو بغير شهود؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته إلا أن يكون السبب المحرم موجودا حين الإسلام كما {أمر غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن} وكما {أمر فيروز الديلمي الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى}. وكما أمر الصحابة من أسلم من المجوس " أن يفارقوا ذوات المحارم ". ولهذا اتفق المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع. ولو كانت العقود عندهم كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكين فيه بشرع. فإن قيل: فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه محرم في الإسلام ثم أسلموا بعد زواله: مضت ولم يؤمروا باستئنافها؛ لأن الإسلام يجب ما قبله فليس ما عقدوه بغير شرع بدون ما عقدوه مع تحريم الشرع وكلاهما عندكم سواء. قلنا: ليس كذلك؛ بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به القبض وأما إذا أسلموا قبل التقابض فإنه يفسخ؛ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فإنه لا يفسخ؛ لا قبل القبض ولا بعده ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا في النكاح القبض بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده؛ لأن نفس عقد النكاح يوجب أحكاما بنفسه وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها. كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما وإن كان بغير نكاح. فلما كان كل واحد من العقد والوطء مقصودا في نفسه - وإن لم يقترن بالآخر - أقرهم الشارع على ذلك؛ بخلاف الأموال؛ فإن المقصود بعقودها هو التقابض فإذا لم يحصل التقابض لم يحصل مقصودها فأبطلها الشارع؛ لعدم حصول المقصود. فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم؛ لأنه لا يصححه إلا بتحليل.

وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم يكونوا يعلمون لا تحريمها ولا تحليلها. فإن الفقهاء جميعهم - فيما أعلمه - يصححونها إذا لم يعتقدوا تحريمها وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا بتقليد. ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد أن الشارع أحله. فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود: لم يصح عقد إلا بعد ثبوت إذنه كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد فإنه آثم وإن كان قد صادف الحق. وأما إن قيل: لا بد من دليل شرعي يدل على حلها سواء كان عاما أو خاصا فعنه جوابان: " أحدهما " المنع كما تقدم. " والثاني " أن نقول: قد دلت الأدلة الشرعية العامة على حل العقود والشروط جملة إلا ما استثناه الشارع. وما عارضوا به سنتكلم عليه إن شاء الله. فلم يبق إلا القول الثالث وهو المقصود. وأما قوله صلى الله عليه وسلم {من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} فالشرط يراد به المصدر تارة والمفعول أخرى. وكذلك الوعد والخلف. ومنه قولهم: درهم ضرب الأمير والمراد به هنا - والله أعلم - المشروط؛

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015