ثبت جوازه بسنة أو إجماع: صحيح بالاتفاق فيجب أن يكون في كتاب الله. وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين. فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار. لأن جامع الجامع جامع ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار.
يبقى أن يقال على هذا الجواب: فإذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط عموما فشرط الولاء داخل في العموم. فيقال: العموم إنما يكون دالا إذا لم ينفه دليل خاص؛ فإن الخاص يفسر العام. وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء وعن هبته وقوله: {من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين}. ودل الكتاب على ذلك بقوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}. فأوجب علينا دعاءه لأبيه الذي ولده دون من تبناه وحرم التبني. ثم أمر عند عدم العلم بالأب بأن يدعي أخا في الدين ومولى كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: أنت أخونا ومولانا} ". وقال صلى الله عليه وسلم {إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس.} فجعل سبحانه الولاء نظير النسب وبين سبب الولاء في قوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} فبين أن سبب الولاء هو الإنعام بالإعتاق كما أن سبب النسب هو الإنعام بالإيلاد. فإذا كان قد حرم الانتقال عن المنعم بالإيلاد. فكذلك يحرم الانتقال عن المنعم بالإعتاق؛ لأنه في معناه فمن اشترط على المشتري أن يعتق ويكون الولاء لغيره: فهو كمن اشترط على المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره. وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إنما الولاء لمن أعتق}. وإذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه: لم يدخل في العهود التي أمر الله بالوفاء بها؛ لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه فهذا هذا – مع أن الذي يغلب على القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا المعنى الأول وهو إبطال الشروط التي تنافي كتاب الله. والتحذير: من اشتراط شيء لم يبحه الله. فيكون المشروط قد حرمه؛ لأن كتاب الله قد أباح عموما لم يحرمه؛ أو من اشتراط ما ينافي كتاب الله بدليل قوله: {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق.}
فإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود والشروط جملة وصحتها أصلان: الأدلة الشرعية العامة والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب وانتفاء المحرم. فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة: هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟. أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي: فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام: أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك؛ فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب. فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك. وأما إذا كان المدرك هو النصوص العامة: فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة: هل هي من المستخرج أو من المستبقي؟ وهذا أيضا لا خلاف فيه.
وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه: هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له؟ فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه: على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم. وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره؛ فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه. فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه. وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض سواء جعل عدم المعارض جزءا من الدليل فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة - كما يختاره من لا يقول بتخصيص الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم - أو جعل المعارض المانع من الدليل فيكون الدليل هو الظاهر لكن القرينة مانعة لدلالته كما يقوله من يقول بتخصيص الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم وإن كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى اعتبار عقلي أو إطلاق لفظي أو اصطلاح جدلي لا يرجع إلى أمر علمي أو فقهي.
¥