وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام الجزئية - من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو - لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا وإنما شرعها شرعا كليا مثل قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}. وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد هذا البيع المعين أو لم يوجد. فإذا وجد بيع معين أثبت ملكا معينا. فهذا المعين سببه فعل العبد. فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته الله من الحكم الكلي إذ ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما هو تابع لفعل العبد سببه فقط لا أن الشارع أثبته ابتداء. وإنما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام؛ وليس كذلك؛ فإن الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته وهو الشارع. وأما هذا المعين فإنما ثبت لأن العبد أدخله في المطلق فإدخاله في المطلق إليه فكذلك إخراجه. إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبدا مثل أن يقول: هذا الثوب بعه أو لا تبعه أو هبه أو لا تهبه وإنما حكم على المطلق الذي إذا أدخل فيه المعين حكم على المعين. فتدبر هذا وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله في المطلق وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من العبد. وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا إلا ما خصه الدليل على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل؛ بل والعقلاء جميعهم. وقد أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي ففعلها ابتداء لا يحرم إلا بتحريم الشارع والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذا ولإيجاب العقل أيضا.

وأيضا فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين. وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه. فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب. فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم. وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات: قياسا عليه بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن. وكذلك قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة. وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس المتبرع بتبرع: ثبت حله بدلالة القرآن؛ إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمر ونحو ذلك.

وأيضا فإن العقد له حالان: حال إطلاق وحال تقييد. ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود. فإذا قيل: هذا شرط ينافي مقتضى العقد فإن أريد به: ينافي العقد المطلق. فكذلك كل شرط زائد. وهذا لا يضره وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد: احتاج إلى دليل على ذلك؛ وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد. فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ونفيه فلا يحصل شيء. ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق؛ بل هو مبطل للعقد عندنا. والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع مثل اشتراط الولاء لغير المعتق؛ فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده فإن مقصوده الملك والعتق قد يكون مقصودا للعقد. فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا. فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد وإنما ينافي كتاب الله وشرطه. كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {كتاب الله أحق وشرط الله أوثق} فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد كان العقد لغوا. وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ورسوله. فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما فلم يكن لغوا ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله فلا وجه لتحريمه بل الواجب حله؛ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه؛ فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه. ولم يثبت تحريمه فيباح؛ لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015