وأما الاعتبار فمن وجوه: (1) أحدها: أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية. والأصل فيها عدم التحريم فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم. كما أن الأعيان: الأصل فيها عدم التحريم. وقوله تعالى {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} عام في الأعيان والأفعال؛ وإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة. وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله بعينه وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة وأن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم. فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا كالأعيان التي لم تحرم. وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فإنه يستدل أيضا به على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمى ذلك حلالا أو عفوا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم؛ فإن ما ذكره الله تعالى في القرآن من ذم الكافر على التحريم بغير شرع: منه ما سببه تحريم الأعيان ومنه ما سببه تحريم الأفعال. كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم يكن أحمسيا ويأمرونه بالتعري إلا أن يعيره أحمسي ثوبه ويحرمون عليه الدخول تحت سقف كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها إذا كانت مجبية ويحرمون الطواف بالصفا والمروة وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التي عقدوها بلا شرع. فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ما اشتمل على محرم.
فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة وإن لم يثبت حلها بشرع خاص كالعهود التي عقدوها في الجاهلية وأمروا بالوفاء بها وقد نبهنا على هذه القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما حرمه الله. لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه الله فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي كنا محرمين ما لم يحرمه الله؛ بخلاف العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله؛ فإن الله قد حرم أن يشرع من الدين ما لم يأذن به. فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله ولا يحرم عادة إلا بتحريم الله والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر. وإن كان فيها قربة من وجه آخر. فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع. كالعتق والصدقة.
فإن قيل: العقود تغير ما كان مشروعا؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا على حال فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال: فقد غير ما كان مشروعا؛ بخلاف الأعيان التي لم تحرم. فإنه لا تغير في إباحتها. فيقال: لا فرق بينهما. وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص أو لا تكون. فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع أو غيره لا يغيرها وهو من باب العقود. وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه: هو فعل من الأفعال مغير لحكمها بمنزلة العقود. وأيضا فإنها قبل الذكاة محرمة. فالذكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد على المال. فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والذكاة: الأصل فيها الحل وإن غير حكم العين. فكذلك أفعالنا في الأملاك بالعقود ونحوها: الأصل فيها الحل. وإن غيرت حكم الملك له. وسبب ذلك: أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا لم يثبته ابتداء. كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة. فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه: لم يحرم علينا رفعه فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره؛ لإثباته سبب ذلك وهو الملك الثابت بالبيع. وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه. كمن أعطى رجلا مالا: فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه. وإن كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطي ما لم يمنع منه مانع.
¥