رواية: هو ثقة. وضعفه في رواية أخرى. وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما} " قال الترمذي: حديث حسن صحيح وروى ابن ماجه منه اللفظ الأول؛ لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة. وضرب أحمد على حديثه في المسند؛ فلم يحدث به. فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه. وقد روى أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد الرحمن بن السلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الناس على شروطهم ما وافقت الحق} وهذه الأسانيد - وإن كان الواحد منها ضعيفا - فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا. وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة وهو حقيقة المذهب؛ فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما أباحه الله. فإن شرطه حينئذ يكون مبطلا لحكم الله. وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله؛ وإنما المشترط له أن يوجب الشرط ما لم يكن واجبا بدونه.
فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما وعدم الإيجاب ليس نفيا للإيجاب حتى يكون المشترط مناقضا للشرع وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبا؛ فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض ما لم يكن واجبا ويباح أيضا لكل منهما ما لم يكن مباحا ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراما. وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين. وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنا أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها؛ فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك. وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط قال: لأنها إما أن تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ساقطا أو تسقط واجبا وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع. وقد وردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض
وليس كذلك؛ بل كل ما كان حراما بدون الشرط: فالشرط لا يبيحه كالربا وكالوطء في ملك الغير وكثبوت الولاء لغير المعتق؛ فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح أو ملك يمين فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك؛ بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز وكذلك الولاء فقد " {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته} " وجعل الله الولاء كالنسب يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد. وقال صلى الله عليه وسلم {من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا} وأبطل الله ما كانوا عليه في الجاهلية من تبني الرجل ابن غيره أو انتساب المعتق إلى غير مولاه. فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما.
وأما ما كان مباحا بدون الشرط: فالشرط يوجبه كالزيادة في المهر والثمن والمثمن والرهن وتأخير الاستيفاء. فإن الرجل له أن يعطي المرأة وله أن يتبرع بالرهن وبالإنظار ونحو ذلك فإذا شرطه صار واجبا وإذا وجب فقد حرمت المطالبة التي كانت حلالا بدونه؛ لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط لا يغيره. وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا فإذا حوله الشرط عن تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله وكذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة ولم يحرمه مطلقا: لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله وإن كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم؛ لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب. فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع. وآثار الصحابة توافق ذلك كما قال عمر رضي الله عنه مقاطع الحقوق عند الشروط.
¥