والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} وقال تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} وقال: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}. وقال تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون}.
والأحاديث في هذا كثيرة مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر} " وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة} وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة}. وفي رواية: {لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم غدرة من أمير عامة} وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله. وفيمن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم -} الحديث ". فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول. وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم " هل يغدر؟ فقال: لا يغدر ونحن معه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة. وقال هرقل في جوابه: سألتك: هل يغدر؟ فذكرت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر " فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين. وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج} فدل على استحقاق الشروط بالوفاء وأن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر. ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره} " فذم الغادر. وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر.
فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك. ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه الشرع: لم يجز أن يأمر بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز أن يؤمر بقتل النفوس ويحمل على القدر المباح؛ بخلاف ما كان جنسه واجبا كالصلاة والزكاة فإنه يؤمر به مطلقا. وإن كان لذلك شروط وموانع. فينهى عن الصلاة بغير طهارة وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك. وكذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحيانا لعارض ويجب السكوت أو التعريض.
وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به: علم أن الأصل صحة العقود والشروط؛ إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. ومقصود العقد: هو الوفاء به. فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة. وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم}. وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في
¥