قوله: {تساءلون به والأرحام} - إلى قوله {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} فذمهم الله على قطيعة الرحم ونقض الذمة. إلى قوله {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم} وهذه نزلت في كفار مكة لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة. وأما قوله سبحانه {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} فتلك عهود جائزة؛ لا لازمة فإنها كانت مطلقة. وكان مخيرا بين إمضائها ونقضها. كالوكالة ونحوها. ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الهدنة لا تصح إلا مؤقتة: فقوله - مع أنه مخالف لأصول أحمد - يرده القرآن وترده سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر المعاهدين فإنه لم يوقت معهم وقتا. فأما من كان عهده موقتا فلم يبح له نقضه بدليل قوله {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} وقال: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} وقال {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} فإنما أباح النبذ عند ظهور إمارات الخيانة؛ لأن المحذور من جهتهم وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} الآية. وجاء أيضا في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري " إن في القرآن الذي نسخت تلاوته سورة كانت كبراءة: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة وقال تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} في سورتي المؤمنون والمعارج وهذا من صفة المستثنين من الهلع المذموم بقوله: {إن الإنسان خلق هلوعا} {إذا مسه الشر جزوعا} {وإذا مسه الخير منوعا} {إلا المصلين} {الذين هم على صلاتهم دائمون} {والذين في أموالهم حق معلوم} {للسائل والمحروم} {والذين يصدقون بيوم الدين} {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} {إن عذاب ربهم غير مأمون} {والذين هم لفروجهم حافظون} {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} وهذا يقتضي وجوب ذلك؛ لأنه لم يستثن من المذموم إلا من اتصف بجميع ذلك؛ ولهذا لم يذكر فيها إلا ما هو واجب وكذلك في سورة المؤمنين قال في أولها: {أولئك هم الوارثون} {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} فمن لم يتصف بهذه الصفات لم يكن من الوارثين؛ لأن ظاهر الآية الحصر؛ فإن إدخال الفصل بين المبتدأ والخبر يشعر بالحصر ومن لم يكن من وارثي الجنة كان معرضا للعقوبة؛ إلا أن يعفو الله عنه؛ وإذا كانت رعاية العهد واجبة فرعايته: هي الوفاء به. ولما جمع الله بين العهد والأمانة جعل النبي صلى الله عليه وسلم ضد ذلك صفة المنافق في قوله: {إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر} وعنه {على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب} " وما زالوا يوصون بصدق الحديث وأداء الأمانة. وهذا عام. وقال تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} فذمهم على نقض عهد الله وقطع ما أمر الله بصلته؛ لأن الواجب إما بالشرع وإما بالشرط الذي عقده المرء باختياره. وقال أيضا: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار} {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} وقال: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} وقال {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015