ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء الله. فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير اتباعا لحديث جابر لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. ويجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش.
ويجوز - على عامة أقواله -: أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها. كما في حديث صفية. وكما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة؛ كأنه أعتقها واستثنى منفعة البضع؛ لكنه استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة الخدمة. ويجوز أيضا للواقف إذا وقف شيئا أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه لمدة حياته. كما روي عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. وروي فيه حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه؟ فيه عنه روايتان. ويجوز أيضا - على قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق وفدية الخلع والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع. أو بغير عوض كالهبة.
ويجوز أحمد أيضا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج} ومن قال بهذا الحديث قال: إنه يقتضي أن الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة. وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح. فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى.
ويجوز - على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه - أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ بفواته. وهو من أشد الناس قولا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالا فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت واشتراط الطلاق. وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك؟ فيه عنه روايتان. إحداهما: نعم كنكاح الشغار. وهو رواية عن مالك. والثانية: لا ينفسخ؛ لأنه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي حنيفة والشافعي.
وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلا أو تركا في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه. وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلا العتق. وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ففي جامع الخلال عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به ولكن لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأن ابن مسعود قال لرجل: لا تقربنها ولأحد فيها شرط. وقال حنبل: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ابن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب. فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا. والشرط الواحد في البيع جائز إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنه شرط لامرأته الذي شرط. فكره عمر أن يطأها وفيها شرط. وقال الكرماني سأل أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنه رخص فيه
¥