أحق وشرط الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق} وفي رواية للبخاري: {اشتريها فأعتقيها وليشترطوا ما شاءوا، فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط}. وفي لفظ: {شرط الله أحق وأوثق} ". وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر: " {أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها. فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لا يمنعك ذلك. فإنما الولاء لمن أعتق}. وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها، فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق}.
ولهم من هذا الحديث حجتان. إحداهما: قوله: {ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل} ". فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع: فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع. فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع. ومن قال بالقياس - وهو الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله. والحجة الثانية:
أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء؛ لأن العلة فيه: كونه مخالفا لمقتضى العقد. وذلك: لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع. فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة. وهي أن العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع؛ ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها. فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ينكر الاشتراط في الحج. ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟. وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} وقوله: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}. قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود الله وزيادة في الدين. وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين عام الحديبية أو قالوا: هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في كتاب الله. واحتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط} وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنه لا يعرف وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه من غيرهم - أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون العبد كاتبا أو صانعا أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح.
القول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس؛ لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس. وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقا فمالك يجوزه بقدر الحاجة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضا. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه.
¥