أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر؛ إلا ما ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا. وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس. كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه. وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل.
أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله وطردوا ذلك طردا جاريا؛ لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم.
وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه لا يصحح في العقود شروطا يخالف مقتضاها في المطلق. وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه. ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال. ولهذا منع بيع العين المؤجرة. وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنما جوز الإجارة المؤخرة؛ لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود المنفعة أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطا أصلا لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما. ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقا. وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر وهو عنده موضع استحسان.
والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل؛ لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع حتى منع الإجارة المؤخرة؛ لأن موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضا ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلا العتق؛ لما فيه من السنة والمعنى؛ لكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه وكبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض ولا يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار وانفساخه بالشروط التي تنافيه كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار. بخلاف فساد المهر ونحوه.
وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث كاستثناء البائع منفعة المبيع واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين. وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي. فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض.
وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه في الصحيحين عن {عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس. فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء. فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله
¥