ولعل هذا النص النفيس للإمام الجليل ابن القيم ـ رحمه الله ـ يكون منارًا لأهل النظر والاجتهاد يهتدون به في بحثهم واجتهادهم من أجل أن يراعي المجتهد أو المفتي أثناء اجتهاده ونظره الظروف العامة للعصر والبيئة والواقع المحيط بالناس، فربَّ فتوى تصلح لعصر ولا تصلح لآخر، وتصلح لبيئة ولا تصلح لأخرى، وتصلح لشخص ولا تصلح لغيره، وقد تصلح لشخص في حال، ولا تصلح له نفسه في حال أخرى.

ثالثًا: الوضوح والبيان في الإفتاء:

وهذا الضابط مهم في تبليغ الحكم المتعلق بالنازلة فلا يكفي الإخبار وحده بحكم الواقعة بل لا بد أن يكون ذلك الإخبار واضحًا بينًا لا غموض فيه ولا إبهام فيه، وألا يفضي إلى الاضطراب والاختلاف في معرفة المعنى المقصود بالفتوى. وقد وضح الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ أهمية هذا الضابط بقوله: «لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بيانًا مزيلاً للإشكال متضمنًا لفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم على الورثة على فرائض الله عز وجل وكتبه فلان، وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: يصلي على حديث عائشة ... وسئل آخر فقال: فيها قولان ولم يزد ... » (71).

ويدخل ضمن هذا الأدب في الفتيا مخاطبة الناس بلغة عصرهم التي يفهمون متجنبًا وعورة المصطلحات الصعبة وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخيًا السهولة والدقة.

وقد جاء عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟» (72). فمراعاة حال السائلين من حيث فهم الخطاب وإدراك معنى الحكم مطلبٌ مهم يجب على الناظر مراعاته وتوخيه دون أن يكون قاصرًا على فهم طائفة معينة، أو خاليًا من التأصيل العلمي اللائق بالفتوى تنزّلاً لحال العوام من الناس بل على الناظر مراعاة الوسط والاعتدال بين ما يفهمه العامي ويستفيد منه المتعلم؛ ولذلك قال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ في ضمن صفات المفتي: «وليتجنب مخاطبة العوام وفتواهم بالتشقيق والتقعير، والغريب من الكلام، فإنه يقتطع عن الغرض المطلوب، وربما وقع لهم به غير المقصود» (73).

ولذلك ينبغي للناظر في النازلة أن يعتبر نفسه عند الإجابة مفتيًا ومعلمًا ومصلحًا وطبيبًا مرشدًا حتى تبلغ فتواه مبلغها ويحصل أثرها بإذن الله.

التنبيه على مزالق يقع فيها بعض المفتين

المراد بالمزالق التي يراد بها التنبيه عليها في هذه المسألة: تلك المداخل الخفية والأخطاء الدقيقة التي تحصل لكثير ممن يفتي في النوازل.

ذلك أن الوقوع في هذه المزالق حاصل مع توافر الضوابط الثلاثة من حيث الجملة، أعني بذلك ضوابط الاجتهاد في النوازل التي ورد بيانها في المسألة السابقة.

المزلق الأول: التعضية (74).

وهو تقسيم النازلة إلى أجزائها التي تتركب منها، مع إعطاء كل جزء حكمه الخاص به، كل على حدة، دون اعتبار للقدر الحاصل من التركيب والاجتماع.

ومن الأمثلة على ذلك:

أن يقال في بيع المرابحة: هو عبارة عن ثلاثة عقود: عقد وكالة، وعقد مواعدة بالشراء، وعقد بيع بالتقسيط، وكلها عقود صحيحة، وبناء على ذلك فبيع المرابحة عقد صحيح لا غبار عليه.

هذا ما نطق به بعض المفتين ـ ممن يقول بالجواز ـ من غير التفات إلى المعنى الحاصل من حصول هذه العقود الثلاثة مجتمعة، ودون نظر إلى الهيئة الجديدة المتولدة عن هذا التركيب.

وقد ذكر بعض المفتين ـ ممن يقول بالمنع ـ أن بيع المرابحة مع كونه مكونًا من هذه العقود الثلاثة إلا أن الظروف التي تحيط به والدوافع التي أدت إلى الأخذ به وانتشاره تفيد أنه ليس إلا صورة من صور التحايل على الربا؛ حيث إن البائع ـ وهو البنك الممول ـ يريد أن يقرض المشتري بفائدة، وكذلك المشتري؛ فإنه يريد أن يقترض من البنك بفائدة، وإنما جعلت هذه السلعة بينهما حيلة، حتى تنتقل صورة الافتراض بفائدة إلى ما يسمى بيع المرابحة.

المزلق الثاني: الحيدة عن الواقع:

ذلك أن كثيرًا من المفتين في النوازل إذا سئل عن نازلة معينة أجاب عن حكم هذه النازلة من حيث الأصل، ثم يأتي بشروط الحكم، والحال: أن هذه الشروط يبعد جدًا ـ بحسب الواقع ـ توافرها في النازلة.

ومن الأمثلة على ذلك:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015