كما ينبغي أيضًا للناظر إن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه ولاسيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه وشاهده قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (61).
وقد يحتاج الفقيه الناظر أيضًا أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه لما فيها من تكميل موضوع السؤال أو لعلةٍ ترتبط بينهما قد يحتاج إليها السائل فيما بعد أو يستفيد منها عموم أهل الواقعة.
وقد ترجم الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ لذلك في صحيحه فقال: «باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه»، ثم ذكر حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ما يلبس المحرم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل الكعبين» (62).
وهذا أيضًا من كمال العلم والنصح والإرشاد في بيان أحكام النوازل.
ثانيًا: فقه الواقع المحيط بالنازلة:
ويقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل عند اجتهاده تغيّر الواقع المحيط بالنازلة سواءً كان تغيرًا زمانيًا أو مكانيًا أو تغيرًا في الأحوال والظروف وعلى الناظر تبعًا لذلك مراعاة هذا التغير في فتواه وحكمه.
وذلك أن كثيرًا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية؛ فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيرًا أو علاجًا ناجحًا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق.
ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرّح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِدَ الأئمة الأولون في عصر المتأخرين وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون (63). وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» (64).
ومن أمثلة هذه القاعدة:
أن الإمام أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ يرى عدم لزوم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم، اكتفاء بظاهر العدالة، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد ـ رحمهما الله ـ فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس (65).
كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة: «أن الضمان على المباشر دون المتسبب»، وهذا لزجر المفسدين (66).
ومن الفتاوى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ رحمهما الله ـ في تقييد مطلق كلام العلماء وقالا بإباحة طواف الإفاضة للحائض التي يتعذر عليها المقام حتى تطهر (67)، وقد عمل بها بعض العلماء المعاصرين مراعاة لتغير أحوال الناس.
كذلك جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا مع أنه مكان للعبادة ينبغي أن لا يغلق وإنما جُوِّزَ الإغلاق صيانة للمسجد من السرقة والعبث (68).
إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة التي غيّر فيها الأئمة المتأخرون كثيرًا من الفتاوى بسبب تغير الأزمنة واختلاف أحوال الناس (69).
يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ في فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: «هذا فصل عظيم النفع جدًا وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل» (70).
¥