أ ـ أن يذكر دليل الحكم في الفتوى النازلة: قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في ذلك: «ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ذلك ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عَطَنِه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حِكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته» (53).

وقال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر: «عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبًا» (54). ثم بيّن ـ رحمه الله ـ ما صار إليه الأمر في الفتوى بعد الصحابة والتابعين بقوله: «ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلاً ولا مأخذًا، ولا يعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوى؟!» (55).

ونُقِل عن الإمام الصيمري وغيره القول بعدم مطالبة المفتي بذكر الدليل في فتواه (56).

ولعل الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة ـ والله أعلم ـ: أن ذكر الدليل في الفتوى يرجع إلى حال السائل وطبيعة الفتوى أو النازلة؛ فإذا كان السائل له علم بالشرع، ودراية في معاني الأدلة، أو طلب معرفة الدليل، فينبغي للمفتي أو الناظر ذكر الدليل والحجة أو الحكمة من المشروعية؛ تطمينًا لقلب السائل وزيادة في علمه وتوثيقًا لفهمه، أما لو كان المستفتي أميًا لا يفقه معنى الدليل فذكره له مضيعة للوقت وخطابًا لمن لا يفهم.

وكذلك لو كانت النازلة تتعلق بمهام الدين ومصالح المسلمين أو بها غموض قد يطرأ في الذهن فينبغي للمفتي ذكر الدليل والحجة، والاهتمام ببسط الأدلة ما أمكنه ذلك (57).

ب ـ أن يبين البديل المباح عند المنع من المحظور: وهذا الأدب له من الأهمية في عصرنا الحاضر القدر العظيم، وذلك أن كثيرًا من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات كافرة أو منحلة لا تراعي القيم والثوابت الإسلامية؛ فتغزو مجتمعاتنا بكل قوة مؤثرة ومغرية كالمستجدات المالية والفكرية والإعلامية وغيرها. فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقرّ ما هو مقبول مباح شرعًا ويمنع ما هو محظور أو محرم مع بيانه لحكمة ذلك المنع وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعًا حماية للدين وإصلاحًا للناس، وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل.

كما قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه؛ أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه؛ فمثاله من العلماء: مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء؛ يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» (58).

وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم» (59).

ج ـ التمهيد في بيان حكم النازلة: ينبغي للناظر في النوازل التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولاً لدى السائلين، وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يُوطِّئ قبله ما يكون مؤذنًا به؛ كالدليل عليه والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب، فإن النفوس لما آنست بولد بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب» (60).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015