ولعل من أشد المزالق التي يقع بها بعض المفتين ضعف الصلة بالله ـ عز وجل ـ وقلة الورع، مما قد يؤدي إلى سلوك هذا الصنف من المفتين إلى إرضاء أهوائهم أو أهواء غيرهم ممن ترجى عطاياه وتخشى رزاياه، أو قد يكون باتباع أهواء العامة والجري وراء إرضائهم بالتساهل أو بالتشديد، وكله من اتباع الهوى المضل عن الحق.

والله ـ عز وجل ـ قد حذر من ذلك حيث قال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (*) نَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (45).

وكذلك قوله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) (46)، إلى غيرها من الآيات والأحاديث.

وصدق الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ حيث قال: «ما من الناس أعز من فقيه ورع» (47). ويعلل الإمام الشاطبي عزّة وندرة هذا النوع من الفقهاء؛ بأن أفعاله قد طابقت أقواله، فيقول ـ رحمه الله ـ: «فوعظه أبلغ، وقوله أنفع، وفتواه أوقع في القلوب ممن ليس كذلك؛ لأنه الذي ظهرت ينابيع العلم عليه واستنارت كليته به، وصار كلامه خارجًا من صميم القلب، والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، ومن كان بهذه الصفة فهو من الذين قال الله فيهم: (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (48)، بخلاف من لم يكن كذلك، فإنه وإن كان عدلاً وصادقًا وفاضلاً لا يبلغ كلامه من القلوب هذا المبلغ، حسبما حققته التجربة العادية» (49).

فما أحوج الفقيه المفتي في عصرنا الحاضر إلى تقوية الصلة بالله والافتقار إليه حتى يكون في حمى الإيمان بالله مستعليًا وعن الخلق مستغنيًا وبالحق والصواب موفقًا بإذن الله (50).

فهذه بعض الضوابط التي ينبغي للناظر والمجتهد في النوازل مراعاتها قبل البحث في حكم النازلة.

والحقيقة أن هناك ضوابط وآداب أخرى كثيرة ذكرها أهل العلم ـ ربما يندرج بعضها فيما ذكرنا ـ لعل من أهمها مناسبة للمقام في هذا المطلب ما قاله الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: «لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:

1 ـ أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية؛ لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.

2 ـ أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.

3 ـ أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته.

4 ـ الكفاية وإلا مضغه الناس.

5 ـ معرفة الناس» (51).

وقد وفّى وكفى الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في بيانها وشرحها بالدليل والبرهان في كتابه القيم إعلام الموقعين (52).

الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد أثناء الحكم في النازلة:

بيّنا فيما سبق بعض الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم أو الفتيا في الواقعة، ولعلنا في هذا المطلب أكثر احتياجًا لسوق بعض الضوابط التي ينبغي مراعاتها، أثناء الحكم على النازلة، من أجل بلوغ الناظر الدرجة العليا من المعرفة والفهم للأدلة والقواعد وما يتعلق بالنظر من ظروف وأحوال تؤدي بمجموعها إلى استفراغ المجتهد وسعه وجهده للوصول إلى الحكم الصحيح ـ إن شاء الله تعالى فمن هذه الضوابط ما يلي:

أولاً: الاجتهاد في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة:

والمقصود بذلك أن يبذل المجتهد وسعه في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة بتتبع طرق الاستنباط المعروفة والجري في ذلك على سنن النظر المعهودة، فقد يجد الحكم منصوصًا عليه أو قريبًا منه، وقد يلجأ إلى القياس على الأدلة، أو التخريج على أقوال الأئمة؛ مع مراعاة عدم مصادمة حكمه للنصوص والإجماعات الأخرى أو مخالفتها للعقول الصحيحة والفطر السليمة فهذا مسلمٌ اعتباره في الشريعة.

ويجدر بنا هنا أن نذكر بعض الآداب التي ينبغي للناظر مراعاتها من خلال هذا الضابط ومما له صلة في مبحثنا:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015