ومما ينبغي أن يراعيه الناظر في النوازل من التثبت والتحري استشارة أهل الاختصاص، وخصوصًا في النوازل المعاصرة المتعلقة بأبواب الطب والاقتصاد والفلك وغير ذلك، والرجوع إلى علمهم في مثل تلك التخصصات عملاً بقوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (36)، فإن كانت النازلة متعلقة بالطب مثلاً، وجب الرجوع إلى أهل الطب وسؤالهم والاستيضاح منهم، وإن كانت النازلة متعلقة بالاقتصاد والمال فيُرجَعُ حينئذٍ لأصحاب الاختصاص في الاقتصاد أو للمراجع المختصة في ذلك الشأن، فالذي لا يعرف حقيقة النقود الورقية المعاصرة أفتى بأنها لا زكاة فيها، أو أن الربا لا يجري فيها اعتمادًا على أنها ليست ذهبًا أو فضة (37).

كما أن الذي لا يعرف مجريات ما يسمى (بأطفال الأنابيب) لا يستطيع أن يعطي فتوى صحيحة فيها بالحِلِّ أو الحرمة، إلا إذا وضحت له حالات هذه العملية

وفروضها، فيستطيع حينئذٍ أن يعطي الحكم المناسب لكل حالة (38).

ولعل في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاستشارة ضمانٌ للمفتي من القول بلا علم وخصوصًا فيما ينزل من مسائل معاصرة، والاجتهاد الجماعي في وقتنا الحاضر المتمثل بالمجامع الفقهية وهيئات الإفتاء ومراكز البحث العلمي تحقق الدور المنشود الذي ينبغي للمفتي أو المجتهد مراعاته والالتزام به لتتسع دائرة العلم وتزداد حلقة المشورة من أجل الحيطة والكفاية في البحث والنظر.

يقول الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ معلقًا على أهمية ذلك: «ثم يذكر المسألة ـ أي المفتي ـ لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب، ويسأل كل واحد منهم عما عنده، فإن في ذلك بركة واقتداء بالسلف الصالح، وقد قال الله تبارك وتعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ:) (39)، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع وأشياء وأمر بالمشاورة، وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى والأحكام» (40).

خامسًا: الالتجاء إلى الله ـ عز وجل ـ وسؤاله الإعانة والتوفيق:

وهذا الضابط من أهم الآداب التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل ليوفق للصواب ويفتح عليه بالجواب، وما ذلك إلا من عند الله العليم الحكيم، القائل في كتابه الكريم يحكي عن الملائكة: ژقَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (41). وقد استحب بعض العلماء للمفتي أن يقرأ هذه الآية، وكذلك

قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (*) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (*) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (*) يَفْقَهُوا قَوْلِي) (42)، وغيرها من الأدعية والأوراد؛ لأن من ثابر على تحقيق هذه الصلة الملتجئة بالله كان حريًا بالتوفيق في نظره وفتواه (43).

وما أروع ما قاله الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ مؤكدًا هذا النوع من الأدب للمفتي: «ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب، أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر من أمّل فضل ربه أن لا يحرمه إياه، فإذا وجد في قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق، فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله، فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ لك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه، وشهدتُ شيخ الإسلام ـ ابن تيمية ـ قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعب عليه، فرّ منها إلى التوبة والاستغفار و الاستغاثة بالله واللجوء إليه، واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ ... » (44).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015